تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 26

مساهمون:

ص٢٦
للتأنيث والتعريف ، من حيث إنها اسم للسورة وللتعريف ، وإنها على زنة أعجمي نحو قابيل وهابيل ، وأما السكون فلأنا بينا أن الأسماء المجردة تذكر موقوفة الأواخر . المسألة الثانية : الكلام المستقصى في هذه الفواتح مذكور في أول سورة البقرة ، والأقرب ههنا أن يقال حم اسم للسورة ، فقوله * ( حم ) * مبتدأ ، وقوله * ( تنزيل الكتاب من الله ) * خبر والتقدير أن هذه السورة المسماة بحم تنزيل الكتاب ، فقوله * ( تنزيل ) * مصدر ، لكن المراد منه المنزل . وأما قوله * ( من الله ) * فاعلم أنه لما ذكر أن * ( حم تنزيل الكتاب ) * وجب بيان أن المنزل من هو ؟ فقال : * ( من الله ) * ثم بيّن أن الله تعالى موصوف بصفات الجلال وسمات العظمة ليصير ذلك حاملاً على التشمير عن ساق الجد عند الاستماع وزجره عن التهاون والتواني فيه ، فبين أن المنزل هو * ( الله العزيز العليم ) * . واعلم أن الناس اختلفوا في أن العلم بالله ما هو ؟ فقال جمع عظيم ، أنه العلم بكونه قادراً وبعده العالم بكونه عالماً ، إذا عرفت هذا فنقول * ( العزيز ) * له تفسيران أحدهما : الغالب فيكون معناه القادر الذي لا يساويه أحد في القدرة والثاني : الذي لا مثل له ، ولا يجوز أن يكون المراد بالعزيز هنا القادر ، لأن قوله تعالى : * ( الله ) * يدل على كونه قادراً ، فوجب حمل * ( العزيز ) * على المعنى الثاني وهو الذي لا يوجد له مثل ، وما كان كذلك وجب أن لا يكون جسماً ، والذي لا يكون جسماً يكون منزّهاً عن الشهوة والنفرة ، والذي يكون كذلك يكون منزّهاً عن الحاجة . وأما * ( العليم ) * فهو مبالغة في العلم ، والمبالغة التامة إنما تتحقق عند كونه تعالى عالماً بكل المعلومات ، فقوله * ( من الله العزيز العليم ) * يرجع معناه إلى أن هذا الكتاب تنزيل من القادر المطلق ، الغني المطلق ، العالم المطلق ، ومن كان كذلك كان عالماً بوجوه المصالح والمفاسد ، وكان عالماً بكونه غنياً عن جر المصالح ودفع المفاسد ، ومن كان كذلك كان رحيماً جواداً ، وكانت أفعاله حكمة وصواباً منزّهة عن القبيح والباطل ، فكأن سبحانه إنما ذكر عقيب قوله * ( تنزيل ) * هذه الأسماء الثلاثة لكونها دالة على أن أفعاله سبحانه حكمة وصواب ، ومتى كان الأمر كذلك لزم أن يكون هذا التنزيل حقاً وصواباً ، وقيل الفائدة في ذكر * ( العزيز العليم ) * أمران أحدهما : أنه بقدرته وعلمه أنزل القرآن على هذا الحد الذي يتضمن المصالح والإعجاز ، ولولا كونه عزيزاً عليماً لما صح ذلك والثاني : أنه تكفل بحفظه وبعموم التكليف فيه وظهوره إلى حين انقطاع التكليف ، وذلك لا يتم إلا بكونه عزيزاً لا يغلب وبكونه عليماً لا يخفى عليه شيء ، ثم وصف نفسه بما يجمع الوعد والوعيد والترهيب والترغيب ، فقال : * ( غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول لا إله إلا هو إليه المصير ) * فهذه ستة أنواع من الصفات : الصفة الأولى : قوله * ( غافر الذنب ) * قال الجبائي : معناه أنه غافر الذنب إذا استحق غفرانه إما بتوبة أو طاعة أعظم منه ، ومراده منه أن فاعل المعصية إما أن يقال إنه كان قد أتى قبل ذلك بطاعة
تفسير الرازي — صفحة 26 | فخر الدين الرازي