تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 248

مساهمون:

ص٢٤٨
إِلاَّ باِلْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ ) * اعلم أنه تعالى لما بيّن كيفية إهلاك فرعون وقومه بيّن كيفية إحسانه إلى موسى وقومه . واعلم أن دفع الضرر مقدم على إيصال النفع فبدأ تعالى ببيان دفع الضرر عنهم فقال : * ( ولقد نجينا بني إسرائيل من العذاب المهين ) * يعني قتل الأبناء واستخدام النساء والإتعاب في الأعمال الشاقة . ثم قال : * ( من فرعون ) * وفيه وجهان : الأول : أن يكون التقدير من العذاب المهين الصادر من فرعون الثاني : أن يكون فرعون بدلاً من لعذاب المهين كأنه في نفسه كان عذاباً مهيناً لإفراطه في تعذيبهم وإهانتهم . قال صاحب " الكشاف " وقرئ * ( من عذاب المهين ) * وعلى هذه القراءة ( فالمهين ) هو فرعون لأنه كان عظيم السعي في إهانة المحقين . وفي قراءة ابن عباس * ( من فرعون ) * وهو بمعنى الاستفهام وقوله * ( إنه كان عالياً من المفسرين ) * جوابه كأن التقدير أن يقال هل تعرفونه من هو في عتوه وشيطنته ؟ ثم عرف حاله بقوله * ( إنه كان عالياً من المفسرين ) * أي كان عالي الدرجة في طبقة المفسرين ، ويجوز أن يكون المراد * ( إنه كان عالياً ) * لقوله * ( إن فرعون علا في الأرض ) * ( القصص : 4 ) وكان أيضاً مسرفاً ومن إسرافه أنه على حقارته وخسته ادعى الإلهية ، ولما بيّن الله تعالى أنه كيف دفع الضرر عن بني إسرائيل وبيّن أنه كيف أوصل إليهم الخيرات فقال : * ( ولقد اخترناهم على علم على العالمين ) * وفيه بحثان : البحث الأول : أن قوله * ( على علم ) * في موضع الحال ثم فيه وجهان أحدهما : أي عالمين بكونهم مستحقين لأن يختاروا ويرجحوا على غيرهم والثاني : أن يكون المعنى مع علمنا بأنهم قد يزيغون ويصدر عنهم الفرطات في بعض الأحوال . البحث الثاني : ظاهر قوله * ( ولقد اخترناهم على علم على العالمين ) * يقتضي كونهم أفضل من كل العالمين فقيل المراد على عالمي زمانهم ، وقيل هذا عام دخله التخصيص كقوله * ( كنتم خير أمة أخرجت للناس ) * ( آل عمران : 110 ) . ثم قال تعالى : * ( وأتيناهم من الآيات ) * مثل فلق البحر ، وتظليل الغمام ، وإنزال المن والسلوى ، وغيرها من الآيات القاهرة التي ما أظهر الله مثلها على أحد سواهم * ( بلاء مبين ) * أي نعمة ظاهرة ، لأنه تعالى لما كان يبلو بالمحنة فقد يبلو أيضاً بالنعمة اختباراً ظاهراً ليتميز لصديق عن الزنديق ، وههنا آخر الكلام في قصة موسى عليه السلام ثم رجع إلى ذكر كفار مكة ، وذلك لأن الكلام فيهم حيث قال : * ( بل هم في شك يلعبون ) * أي بل هم في شك من البعث والقيامة ، ثم بيّن كيفية