لأنهم لم يكونوا يعملون على الأرض عملاً صالحاً فتبكي عليهم ، ولم يصعد لهم إلى السماء كلام طيب ولا عمل صالح فتبكي عليهم ، وهذا قول أكثر المفسرين .
القول الثاني : التقدير : فم بكت عليهم أهل السماء وأهل الأرض ، فحذف المضاف والمعنى ما بكت عليهم الملائكة ولا المؤمنون ، بل كانوا بهلاكهم مسرورين .
والقول الثالث : أن عادة النس جرت بأن يقولوا في هلاك الرجل العظيم الشأن : إنه أظلمت له الدنيا ، وكسفت الشمس والقمر لأجله وبكت الريح والسماء والأرض ، ويريدون المبالغة في تعظيم تلك المصيبة لا نفس هذا الكذب .
ونقل صاحب " الكشاف " : عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " ما من مؤمن مات في غربة غابت فيها بواكيه إلا بكت عليه السماء والأرض " .
وقال جرير :
الشمس طالعة ليس بكاسفة تبكي عليك نجوم الليل والقمرا
وفيه ما يشبه السخرية بهم يعني أنهم كانوا يستعظمون أنفسهم ، وكانوا يعتقدون في أنفسهم أنهم لو ماتوا لبكت عليهم السماء والأرض ، فما كانوا في هذا الحد ، بل كانوا دون ذلك ، وهذا إنما يذكر على سبيل التهكم .
ثم قال : * ( وما كانوا منظرين ) * أي لما جاء وقت هلاكهم لم ينظروا إلى وقت آخر لتوبة وتدارك وتقصير .
قوله تعالى
* ( وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِى إِسْرَاءِيلَ مِنَ الْعَذَابِ الْمُهِينِ * مِن فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كَانَ عَالِياً مِّنَ الْمُسْرِفِينَ * وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ * وَءَاتَيْنَاهُم مِّنَ الاَْيَاتِ مَا فِيهِ بَلَؤٌاْ مُّبِينٌ * إِنَّ هَؤُلاَءِ لَيَقُولُونَ * إِنْ هِىَ إِلاَّ مَوْتَتُنَا الاُْوْلَى وَمَا نَحْنُ بِمُنشَرِينَ * فَأْتُواْ باِبَآئِنَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ أَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّهُمْ كَانُواْ مُجْرِمِينَ * وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالاَْرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ * مَا خَلَقْنَاهُمَآ
تفسير الرازي — صفحة 247
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص٢٤٧