يعني أن الغالب على الظن أن القول بالبعث والقيامة باطل ، وبتقدير أن يكون حقاً فإن لي عنده للحسنى ، وهذه الكلمة تدل على جزمهم بوصولهم إلى الثواب من وجوه الأول : أن كلمة إن تفيد التأكيد الثاني : أن تقديم كلمة لي تدل على هذا التأكيد الثالث : قوله * ( عنده ) * يدل على أن تكل الخيرات حاضرة مهيئة عنده كما تقول لي عند فلان كذا من الدنانير ، فإن هذا يفيد كونها حاضرة عنده ، فلو قلت إن لي عند فلان كذا من الدنانير لا يفيد ذلك والرابع : اللام في قوله * ( للحسنى ) * تفيد التأكيد الخامس : للحسنى يفيد الكمال في الحسنى . ولما حكى الله تعالى عنهم هذه الأقوال الثلاثة الفاسدة قال : * ( فلننبئن الذين كفروا بما عملوا ) * أي نظهر لهم " أن الأمر على ضد ما اعتقدوا وعلى عكس ما تصوروه كما قال تعالى : * ( وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباءً منثوراً ) * ( الفرقان : 23 ) * ( ولنذيقنهم من عذاب غليظ ) * في مقابلة قولهم * ( إن لي عنده للحسنى ) * . ولما حكى الله تعالى أقوال الذي أنعم عليه بعد ووقعه في الآفات حكى أفعاله أيضاً فقال : * ( وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض ) * عن التعظيم لأمر الله والشفقة على خلق الله * ( ونأى بجانبه ) * أي ذهب بنفسه وتكبر وتعظم ، ثم إن مسه الضر والفقر أقبل على دوام الدعاء وأخذ في الابتهال والتضرع ، وقد استعير العرض لكثرة الدماء ودوامه وهو من صفات الأجرام ويستعار به الطول أيضاً كما استعير الغلظ لشدة العذاب .
واعلم أنه تعالى لما ذكر الوعيد العظيم على الشرك وبين أن المشركين يرجعون عن القول بالشرك في يوم القيامة ، ويظهرون من أنفسهم الذلة والخضوع بسبب استيلاء الخوف عليهم ، وبين أن الإنسان جبل على التبدل ، فإن وجد لنفسه قوة بالغ في التكبر والتعظم ، وإن أحسّ بالفتور والضعف بالغ في إظهار الذلة والمسكنة ذكر عقيبة كلاماً آخر يوجب على هؤلاء الكفار أن لا يبالغوا في إظهار النفرة من قبول التوحيد ، وأن لا يفرطوا في إظهار العداوة مع الرسول صلى الله عليه وسلم فقال : * ( قل أرأيتم إن كان من عند الله ثم كفرتم به من أضل ممن هو في شقاق بعيد ) * وتقرير هذا الكلام أنكم كلما سمعتم هذا القرآن أعرضتم عنه وما تأملتم فيه وبالغتم في النفرة عنه حتى قلتم * ( قلوبنا في أكمن مما تدعونا إليه وفي آذاننا وقر ) * ( فصلت : 5 ) ثم من المعلوم بالضرورة أنه ليس العلم بكون القرآن باطلاً علماً بديهياً ، وليس العلم بفساد القول بالتوحيد والنبوة علماً بديهياً ، فقبل الدليل يحتمل أن يكون صحيحاً وأن كيون فاسداً بتقدير أن يكون صحيحاً كان إصراركم على دفعه من أعظم موجبات العقاب ، فهذا الطريق يوجب عليكم أن تتركوا هذه الثغرة ، وأن ترجعوا إلى النظرة والاستدلال فإن دل الدليل على صحته قبلتموه ، وإن دل على فساده تركتموه ، فأما قبل الدليل فالإصرار على الدفع والإعراض بعيد عن العقل ، وقوله * ( ممن هو في شقاق بعيد ) * موضوع موضع منكم بياناً بحالهم وصفاتهم ، ولما ذكر هذه الوجوه الكثيرة في تقرير التوحيد والنبوة ، وأجاب عن شبهات
تفسير الرازي — صفحة 138
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص١٣٨