تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 131

مساهمون:

ص١٣١
عَزِيزٌ * لاَّ يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ) * . اعلم أنه تعالى لما بيّن أن الدعوة إلى دين الله تعالى أعظم المناصب وأشرف المراتب ، ثم بيّن أن الدعوة إلى دين الله تعالى ، إنما تحصل بذكر دلائل التوحيد والعدل وصحة البعث والقيامة ، عاد إلى تهديد من ينازع في تلك الآيات ، ويحاول إلقاء الشبهات فيها ، فقال : * ( إن الذين يلحدون في آياتنا ) * يقال ألحد الحافر ولحد إذا مال عن الاستقامة فحفر في شق ، فالملحد هو المنحرف ، ثم بحكم العرف اختص بالمنحرف عن الحق إلى الباطل ، وقوله * ( لا يخفون علينا ) * تهديد كما إذا قال الملك المهيب : إن الذين ينازعون في ملكي أعرفهم ، فإنه يكون ذلك تهديداً ، ثم قال : * ( أفمن يلقى في النار خير أمن يأتي آمناً يوم القيامة ) * وهذا استفهام بمعنى التقرير ، والغرض التنبيه على أن الذين يلحدون في آياتنا يلقون في النار ، والذين يؤمنون بآياتنا يأتون آمنين يوم القيامة . ثم قال : * ( اعملوا ما شئتم إنه بما تعملون بصير ) * وهذا أيضاً تهديد ثالث ، ونظيره ما يقوله الملك المهيب عند الغضب الشديد إذا أخذ يعاتب بعض عبيده ثم يقول لهم اعملوا ما شئتم فإن هذا مما يدل على الوعيد الشديد . ثم قال تعالى : * ( إن الذين كفروا بالذكر لما جاءهم ) * وهذا أيضاً تهديد ، وفي جوابه وجهان : أحدهما : أنه محذوف كسائر الأجوبة المحذوفة في القرآن على تقدير : إن الذين كفروا بالذكر لما جاءهم يجازون بكفرهم أو ما أشبه والثاني : أن جوابه قوله * ( أولئك ينادون من مكان بعيد ) * والأول أصوب ، ولما بالغ في تهديد الذين يلحدون في آيات القرآن أتبعه ببيان تعظيم القرآن ، فقال : * ( وإنه لكتاب عزيز ) * والعزيز له معنيان أحدهما : الغالب القاهر والثاني : الذي لا يوجد نظيره ، أما كون القرآن عزيزاً بمعنى كونه غالباً ، فالأمر كذلك لأنه بقوة حجته غلب على كل ما سواه ، وأما كونه عزيزاً بمعنى عديم النظير ، فالأمر كذلك لأن الأولين والآخرين عجزوا عن معارضته ، ثم قال : * ( لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ) * وفيه وجوه : الأول : لا تكذبه الكتب المتقدمة كالتوراة والإنجيل والزبور ، ولا يجيء كتاب من بعده يكذبه الثاني : ما حكم القرآن بكونه حقاً لا يصير باطلاً ، وما حكم بكونه باطلاً لا يصير حقاً الثالث : معناه أنه محفوظ من أن ينقص منه فيأتيه الباطل من بين يديه ، أو يزاد فيه فيأتيه الباطل من خلفه . والدليل عليه قوله * ( وإنا له لحافظون ) * ( الحجر : 9 ) فعل هذا الباطل هو الزيادة والنقصان الرابع : يحتمل أن يكون المراد أنه لا يوجد في المستقبل كتاب يمكن جعله معارضاً وله ولم يوجد فيما تقدم