تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 129

مساهمون:

ص١٢٩
فهي لا تليق إلا بمن كان أشرف الموجودات ، فقال : * ( لا تسجدوا للشمس ولا للقمر ) * لأنهما عبدان مخلوقان * ( واسجدوا لله ) * الخالق القادر الحكيم ، والضمير في قوله * ( خلقهن ) * لليل والنهار والقمر ، لأن حكم جماعة ما لا يعقل حكم الأنثى أو الإناث ، يقال للأقلام بريتها وبريتهن ، ولما قال : * ( من آياته ) * كن في معنى الإناث فقال : * ( خلقهن ) * وإنما قال : * ( إن كنتم إياه تعبدون ) * لأن ناساً كانوا يسجدون للشمس والقمر كالصابئين في عبادتهم الكواكب ويزعمون أنهم يقصدون بالسجود لهما السجود لله فنهوا عن هذه الواسطة وأمروا أن لا يسجدوا إلا لله الذي خلق الأشياء ، فإن قيل إذا كان لا بد في الصلاة من قبلة معينة ، فلو جعلنا الشمس قبلة معينة عند السجود كان ذلك أولى ، قلنا الشمس جوهر مشرق عظيم الرفعة عالي الدرجة ، فلو أذن الشرع في جعلها قبلة في الصلوات ، فعند اعتياد السجود إلى جانب الشمس ربما غلب على الأوهام أن ذلك السجود للشمس لا لله ، فلأجل الخوف من هذا المحذور نهى الشارع الحكيم عن جعل الشمس قبلة للسجود ، بخلاف الحجر المعني فإنه ليس فيه ما يوهم الإلهية ، فكان المقصود من القبلة حاصلاً والمحذور المذكور زائلاً فكان هذا أولى ، واعلم أن مذهب الشافعي رضي الله عنه أن موضع السجود هو قوله * ( تعبدون ) * لأجل أن قوله * ( واسجدوا لله ) * متصل به ، وعند أبي حنيفة هو قوله * ( وهم لا يسأمون ) * لأن الكلام إنما يتم عنده . ثم إنه تعالى لما أمر بالسجود قال بعده * ( فإن استكبروا فالذين عند ربك يسبحون له بالليل والنهار وهم لا يسأمون ) * وفيه سؤالات : السؤال الأول : إن الذين يسجدون للشمس والقمر يقولون نحن أقل وأذل من أن يحصل لنا أهلية عبودية الله تعالى ، ولكنا عبيد للشمس وهما عبدان لله ، وإذا كان قول هؤلاء هكذا ، فكيف يليق أن يقال إنهم استكبروا عن السجود لله ؟ والجواب : ليس المراد من لفظ الاستكبار ما ذكرتم ، بل المراد فإن استكبروا عن قبول قولك يا محمد في النهي عن السجود للشمس والقمر . السؤال الثاني : أن المشبهة تمسكوا بقوله * ( فالذين عند ربك ) * في إثبات المكان والجهة لله تعالى والجواب : أنه يقال عند الملك من الجند كذا وكذا ، ولا يراد به قرب المكان . فكذا ههنا . ويدل عليه قوله " أنا عند ظن عبدي بي وأنا عند المنكسرة قلوبهم لأجلي في مقعد صدق عند مليك مقتدر " ويقال عند الشافعي رضي الله عنه إن المسلم لا يقتل بالذمي . السؤال الثالث : هل تدل هذه الآية على أن الملك أفضل من البشر ؟ الجواب : نعم ، لأنه إنما يستدل بحال الأعلى على حال الأدون ، فيقال هؤلاء الأقوام إن استكبروا عن طاعة فلان فالأكابر يخدمونه ويعترفون بتقدمه ، فثبت أن هذا النوع من الاستدلال إنما يحسن بحال الأعلى على حال الأدون . السؤال الرابع : قال ههنا في صفة الملائكة * ( يسبحون بالليل والنهار ) * فهذا يدل على