تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 120

مساهمون:

ص١٢٠
وتشوشوا عليه وتغلبوا على قراءته ، كانت قريش يوصي بذلك بعضهم بعضاً ، والمراد افعلوا عند تلاوة القرآن ما يكون لغواً وباطلاً ، لتخرجوا قراءة القرآن عن أن تصير مفهومة للناس ، فبهذا الطريق تغلبون محمداً صلى الله عليه وسلم ، وهذا جهل منهم لأنهم في الحال أقروا بأنهم مشتغلون باللغو والباطل من العمل والله تعالى ينصر محمداً بفضله ، ولما ذكر الله تعالى ذلك هددهم بالعذاب الشديد فقال : * ( فلنذيقن الذين كفروا عذاباً شديداً ) * لأن لفظ الذوق إنما يذكر في القدر القليل الذي يؤتى به لأجل التجربة ، ثم إنه تعالى ذكر أن ذلك الذوق عذاب الشديد ، فإذا كان القليل منه عذاباً شديداً فكيف يكون حال الكثير منه ، ثم قال : * ( ولنجزينهم أسوأ الذي كانوا يعملون ) * واختلفوا فيه فقال الأكثرون المراد جزاء سوء أعمالهم ، وقال الحسن بل المراد أنه لا يجازيهم على محاسن أعمالهم ، لأنهم أحبطوها بالكفر فضاعت تلك الأعمال الحسنة عنهم ، ولم يبق معهم إلا الأعمال القبيحة الباطلة ، فلا جرم لم يتحصلوا إلا على جزاء السيئات . ثم قال تعالى : * ( ذلك جزاء أعداء الله النار ) * والمعنى أنه تعالى لما قال في الآية المتقدمة * ( ولنجزينهم أسوأ الذي كانوا يعملون ) * بين أن ذلك الأسوأ الذي جعل جزاء أعداء الله هو النار . ثم قال تعالى : * ( لهم فيها دار الخلد ) * أي لهم في جملة النار دار السيئات معينة وهي دار العذاب المخلد لهم * ( جزاء بما كانوا بآياتنا يجحدون ) * أي جزاء بما كانوا يلغون في القراءة ، وإنما مساه جحوداً لأنهم لما علموا أن القرآن بالغ إلى حد الإعجاز خافوا من أنه لو سمعه الناس لآمنوا به فاستخرجوا تلك الطريقة الفاسدة ، وذلك يدل على أنهم علموا كونه معجزاً إلا أنهم جحدوا للحسد . واعلم أنه تعالى لما بيّن أن الذي حملهم على الكفر الموجب للعقاب الشديد مجالسة قرناء السوء بين أن الكفار عند الوقوع في العذاب الشديد يقولون * ( ربنا أرنا الذين أضلانا من الجن والإنس ) * والسبب في ذكر هذين القسمين أن الشيطان على ضربين جني وإنسي ، قال تعالى : * ( وكذلك جعلنا لكل نبي عدواً شياطين الإنس والجن ) * ( الانعام : 112 ) وقال : * ( الذي يوسوس في صدور الناس من الجنة والناس ) * ( الناس : 5 ) وقيل هما إبليس وقابيل لأن الكفر سنة إبليس ، والقتل بغير حق سنة قابيل . وقرئ * ( أرنا ) * بسكون الراء لثقل الكسرة كما قالوا في فخذ فخذ ، وقيل معناه أعطنا الذين أضلانا وحكوا عن الخليل أنك إذا قلت أرني ثوبك بالكسر ، فالمعنى بصرنيه وإذا قلته بالسكون فهو استعطاء معناه أعطني ثوبك . ثم قال تعالى : * ( نجعلهما تحت أقدامنا ) * قال مقاتل يكونان أسفل منا في النار * ( ليكونا من الأسفلين ) * قال الزجاج : ليكونا في الدرك الأسفل من النار ، وكان بعض تلامذتي ممن يميل إلى الحكمة يقول المراد باللذين يضلان الشهوة والغضب ، وإليهما الإشارة في قصة الملائكة بقوله * ( أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ) * ( البقرة : 30 ) ثم قال والمراد بقوله * ( نجعلها تحت أقدامنا ) * يعني يا ربنا أعنا حتى نجعل الشهوة والغضب تحت أقدام جوهر النفس القدسية ، والمراد بكونهما تحت أقدمه كونهما مسخرين للنفس القدسية مطيعين لها ، وأن لا يكونا مسؤولين عليها قاهرين لها .