تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 91

مساهمون:

ص٩١
السؤال الثالث : أن جماعة الطبائعيين وكذا الكعبي من المعتزلة قالوا إن بطبع الأرض والماء وتأثير الشمس فيهما يحصل النبات وتمسكوا بقوله تعالى : * ( لنحيي به بلدة ميتاً ) * فإن الباء في ( به ) تقتضي أن للماء تأثيراً في ذلك الجواب : الظاهر وإن دل عليه لكن المتكلمون تركوه لقيام الدلالة على فساد الطبع وأما أمر الحيوان فقوله سبحانه : * ( ونسقيه مما خلقنا أنعاماً وأناسي كثيراً ) * وفيه سؤالات : السؤال الأول : لم خص الإنسان والأنعام ههنا بالذكر دون الطير والوحش مع انتفاع الكل بالماء ؟ الجواب : لأن الطير والوحش تبعد في طلب الماء فلا يعوزها الشرب بخلاف الأنعام لأنها قنية الأناسي وعامة منافعهم متعلقة بها فكأن الإنعام عليهم بسقي أنعامهم كالإنعام عليهم بسقيهم . السؤال الثاني : ما معنى تنكير الأنعام والأناسي ووصفهما بالكثرة ؟ الجواب : معناه أن أكثر الناس يجتمعون في البلاد القريبة من الأودية والأنهار ( ومنافع ) المياه فهم في غنية ( في شرب المياه عن المطر ) ، وكثير منهم نازلون في البوادي فلا يجدون المياه للشرب إلا عند نزول المطر وذلك قوله : * ( لنحيي به بلدة ميتاً ) * يريد بعض بلاد هؤلاء المتباعدين عن مظان الماء ويحتمل في ( كثير ) أن يرجع إلى قوله : * ( ونسقيه ) * لأن الحي يحتاج إلى الماء حالاً بعد حال وهو مخالف للنبات الذي يكفيه من الماء قدر معين ، حتى لو زيد عليه بعد ذلك لكان إلى الضرر أقرب ، والحيوان يحتاج إليه حالاً بعد حال ما دام حياً . السؤال الثالث : لم قدم إحياء الأرض وسقي الأنعام على سقي الأناسي الجواب : لأن حياة الأناسي بحياة أرضهم وحياة أنعامهم ، فقدم ما هو سبب حياتهم ومعيشتهم على سقيهم لأنهم إذا ظفروا بما يكون سقيا لأرضهم ومواشيهم فقد ظفروا أيضاً بسقياهم وأيضاً فقوله تعالى : * ( ولقد صرفناه بينهم ) * ( الفرقان : 50 ) يعني صرف المطر كل سنة إلى جانب آخر ، وإذا كان كذلك فلا يسقي الكل منه بل يسقي كل سنة أناسي كثيراً منه . السؤال الرابع : ما الأناسي ؟ الجواب : قال الفراء والزجاج : الإنسي والأناسي كالكرسي والكراسي ، ولم يقل كثيرين لأنه قد جاء فعيل مفرداً ويراد به الكثرة كقوله : * ( وقروناً بين ذلك كثيراً ) * ( الفرقان : 38 ) * ( وحسن أولئك رفيقاً ) * ( النساء : 69 ) . واعلم أن الفقهاء قد استنبطوا أحكام المياه من قوله تعالى : * ( وأنزلنا من السماء ماء طهوراً ) * ونحن نشير إلى معاقد تلك المسائل فنقول ههنا نظران : أحدهما : أن الماء مطهر والثاني : أن غير الماء هل هو مطهر أم لا ؟ النظر الأول : أن نقول الماء إما أن لا يتغير أو يتغير القسم الأول وهو الذي لا يتغير فهو طاهر في ذاته مطهر لغيره ، إلا الماء المستعمل
تفسير الرازي — صفحة 91 | فخر الدين الرازي