تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 90

مساهمون:

ص٩٠
حين موتها ) * ( الزمر : 42 ) والتي لم تمت في منامها كذلك وفق بين القيام من النوم والقيام من الموت في التسمية بالنشور ، وهذه الآية مع دلالتها على قدرة الخالق فيها إظهار لنعمه على خلقه ، لأن الاحتجاب بستر الليل كم فيه لكثير من الناس من فوائد دينية ودنيوية ، والنوم واليقظة شبههما بالموت والحياة ، وعن لقمان أنه قال لابنه : كما تنام فتوقظ ، كذلك تموت فتنشر . النوع الثالث : قوله : * ( وهو الذي أرسل الرياح بشراً بين يديه رحمته ) * وقد تقدم تفسيره في سورة الأعراف ، ثم فيه مسائل : المسألة الأولى : قرىء ( الريح ) و ( الرياح ) ، قال الزجاج : وفي ( نشراً ) خمسة أوجه بفتح النون وبضمها وبضم النون والشين وبالباء الموحدة مع ألف والمؤنث وبشراً بالتنوين ، قال أبو مسلم في قرأ ( بشراً ) أراد جمع بشير مثل قوله تعالى : * ( ومن آياته أن يرسل الرياح مبشرات ) * ( الروم : 46 ) وأما بالنون فهو في معنى قوله : * ( والناشرات نشراً ) * ( المرسلات : 3 ) وهي الرياح ، والرحمة الغيث والماء والمطر . المسألة الثانية : قوله : * ( وأنزلنا من السماء ماء طهوراً ) * نص في أنه تعالى ينزل الماء من السماء ، لا من السحاب . وقول من يقول السحاب سماء ضعيف لأن ذاك بحسب الاشتقاق ، وأما بحسب وضع اللغة فالسماء اسم لهذا السقف المعلوم فصرفه عنه ترك للظاهر . المسألة الثالثة : اختلفوا في أن الطهور ما هو ؟ قال كثير من العلماء الطهور ما يتطهر به كالفطور ما يفطر به ، والسحور ما يتسحر به وهو مروي أيضاً عن ثعلب ، وأنكر صاحب " الكشاف " ذلك ، وقال ليس فعول من التفعيل في شيء والطهور على وجهين في العربية : صفة واسم غير صفة فالصفة قولك : ماء طهور كقولك طاهر ، والاسم قولك طهور لما يتطهر به كالوضوء والوقود لما يتوضأ به ويوقد به النار . حجة القول الأول قوله عليه السلام : " التراب طهور المسلم ولو لم يجد الماء عشر حجج " ولو كان معنى الطهور الطاهر لكان معناه التراب طاهر للمسلم وحينئذ لا ينتظم الكلام ، وكذا قوله عليه السلام : " طهور إناء أحدكم إذا ولغ الكلب فيه أن يغسله سبعاً " ولو كان الطهور الطاهر لكان معناه طاهر إناء أحدكم وحينئذ لا ينتظم الكلام ، ولأنه تعالى قال : * ( وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به ) * ( الأنفال : 11 ) فبين أن المقصود من الماء إنما هو التطهر به فوجب أن يكون المراد من كونه طهوراً أنه هو المطهر به لأنه تعالى ذكره في معرض الإنعام ، فوجب حمله على الوصف الأكمل ولا شك أن المطهر أكمل من الطاهر . المسألة الرابعة : اعلم أن الله تعالى ذكر من منافع الماء أمرين : أحدهما : ما يتعلق بالنبات والثاني : ما يتعلق بالحيوان ، أما أمر النبات فقوله : * ( لنحيي به بلدة ميتاً ) * وفيه سؤالات : السؤال الأول : لم قال * ( لنحيي به بلدة ) * ميتاً ولم يقل ميتة ؟ الجواب : لأن البلدة في معنى البلد في قوله : * ( فسقناه إلى بلد ميت ) * ( فاطر : 9 ) . السؤال الثاني : ما المراد من حياة البلد وموتها ؟ الجواب : الناس يسمون ما لا عمارة فيه من الأرض مواتاً ، وسقيها المقتضي لعمارتها إحياء لها .