والمنافع ، والإنذار يوجب الغم والخوف فكيف يليق هذا لهذا الموضع ؟ جوابه : أن هذا الإنذار يجري مجرى تأديب الولد ، وكما أنه كلما كانت المبالغة في تأديب الولد أكثر كان الإحسان إليه أكثر ، لما أن ذاك يؤدي في المستقبل إلى المنافع العظيمة ، فكذا ههنا كلما كان الإنذار كثيراً كان رجوع الخلق إلى الله أكثر ، فكانت السعادة الأخروية أتم وأكثر ، وهذا كالتنبيه على أنه لا التفات إلى المنافع العاجلة ، وذلك لأنه سبحانه لما وصف نفسه بأنه الذي يعطي الخيرات الكثيرة لم يذكر إلا منافع الدين ، ولم يذكر البتة شيئاً من منافع الدنيا .
ثم إنه سبحانه وصف ذاته بأربع أنواع من صفات الكبرياء أولها : قوله : * ( الذي له ملك السماوات والأرض ) * وهذا كالتنبيه على الدلالة على وجوده سبحانه لأنه لا طريق إلى إثباته إلا بواسطة احتياج أفعاله إليه ، فكان تقديم هذه الصفة على سائر الصفات كالأمر الواجب وقوله : * ( له ما في السماوات والأرض ) * إشارة إلى احتياج هذه المخلوقات إليه سبحانه بزمان حدوثها وزمان بقائها في ماهيتها وفي وجودها ، وأنه سبحانه هو المتصرف فيها كيف يشاء وثانيها : قوله : * ( ولم يتخذ ولداً ) * فبين سبحانه أنه هو المعبود أبداً ، ولا يصح أن يكون غيره معبوداً ووارثاً للملك عنه فتكون هذه الصفة كالمؤكدة لقوله : * ( تبارك ) * ولقوله : * ( الذي له ملك السماوات والأرض ) * وهذا كالرد على النصارى وثالثها : قوله : * ( ولم يكن له شريك في الملك ) * والمراد أنه هو المنفرد بالإلهية ، وإذا عرف العبد ذلك انقطع خوفه ورجاؤه عن الكل ، ولا يبقى مشغول القلب إلا برحمته وإحسانه . وفيه الرد على الثنوية والقائلين بعبادة النجوم والقائلين بعبادة الأوثان ورابعها : قوله : * ( وخلق كل شيء فقدره تقديراً ) * وفيه سؤالات :
الأول : هل في قوله : * ( وخلق كل شيء ) * دلالة على أنه سبحانه خالق لأعمال العباد ؟ والجواب : نعم من وجهين : الأول : أن قوله : * ( وخلق كل شيء ) * يتناول جميع الأشياء فيتناول أفعال العباد ، والثاني : وهو أنه تعالى بعد أن نفى الشريك ذكر ذلك ، والتقدير أنه سبحانه لما نفى الشريك كأن قائلاً قال : ههنا أقوام يعترفون بنفي الشركاء والأنداد ، ومع ذلك يقولون إنهم يخلقون أفعال أنفسهم فذكر الله تعالى هذه الآية لتكون معينة في الرد عليهم ، قال القاضي الآية لا تدل عليه لوجوه : أحدها : أنه سبحانه صرح بكون العبد خالقاً في قوله : * ( وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير ) * ( المائدة : 110 ) وقال : * ( فتبارك الله أحسن الخالقين ) * ( المؤمنون : 14 ) وثانيها : أنه سبحانه تمدح بذلك فلا يجوز أن يريد به خلق الفساد وثالثها : أنه سبحانه تمدح بأنه قدره تقديراً ولا يجوز أن يريد به إلا الحسن والحكمة دون غيره ، فثبت بهذه الوجوه أنه لا بد من التأويل لو دلت الآية بظاهرها عليه ، فكيف ولا دلالة فيها البتة ، لأن الخلق عبارة عن التقدير فهو لا يتناول إلا ما يظهر فيه التقدير ، وذلك إنما يظهر في الأجسام لا في الأعراض والجواب :
أما قوله : * ( وإذ تخلق ) * وقوله : * ( أحسن الخالقين ) * فهما معارضان بقوله : * ( الله خالق كل شيء ) * ( الزمر : 62 )
تفسير الرازي — صفحة 46
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص٤٦