تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 48

مساهمون:

ص٤٨
قوله تعالى * ( وَاتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ ءْالِهَةً لاَّ يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلاَ يَمْلِكُونَ لاَِنفُسِهِمْ ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً وَلاَ يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلاَ حَيَوةً وَلاَ نُشُوراً ) * . اعلم أنه سبحانه وتعالى لما وصف نفسه بصفات الجلال والعزة والعلو أردف ذلك بتزييف مذهب عبدة الأوثان وبين نقصانها من وجوه : أحدها : أنها ليست خالقة للأشياء ، والإله يجب أن يكون قادراً على الخلق والإيجاد وثانيها : أنها مخلوقة والمخلوق محتاج ، والإله يجب أن يكون غنياً وثالثها : أنها لا تملك لأنفسها ضراً ولا نفعاً ، ومن كان كذلك فهو لا يملك لغيره أيضاً نفعاً ، ومن كان كذلك فلا فائدة في عبادته ورابعها : أنها لا تملك موتاً ولا حياة ولا نشوراً ، أي لا تقدر على الإحياء والإماتة في زمان التكليف وثانياً في زمان المجازاة ، ومن كان كذلك كيف يسمى إلهاً ؟ وكيف يحسن عبادته مع أن حق من يحق له العبادة أن ينعم بهذه النعم المخصوصة ، وههنا سؤالات : الأول : قوله : * ( واتخذوا من دونه آلهة ) * هل يختص بعبدة الأوثان أو يدخل فيه النصارى وعبدة الكواكب وعبدة الملائكة ؟ والجواب : قال القاضي : بعيد أن يدخل فيه النصارى لأنهم لم يتخذوا من دون الله آلهة على الجمع ، فالأقرب أن المراد به عباد الأصنام ، ويجوز أن يدخل فيه من عبد الملائكة لأن لمعبودهم كثرة ، ولقائل أن يقول قوله * ( واتخذوا ) * صيغة جمع وقوله * ( آلهة ) * جمع ، والجمع إذا قوبل بالجمع يقابل المفرد بالمفرد ، فلم يكن كون معبود النصارى واحداً مانعاً من دخوله تحت هذا اللفظ . السؤال الثاني : احتج بعض أصحابنا بقوله : * ( واتخذوا من دونه آلهة لا يخلقون شيئاً وهم يخلقون ) * على أن فعل العبد مخلوق لله تعالى فقال : إن الله تعالى عاب هؤلاء الكفار من حيث عبدوا ما لا يخلق شيئاً ، وذلك يدل على أن من خلق يستحق أن يعبد ، فلو كان العبد خالقاً لكان معبوداً إلهاً ، أجاب الكعبي عنه بأنا لا نطلق اسم الخالق إلا على الله تعالى . وقال بعض أصحابنا في الخلق إنه الإحداث لا بعلاج وفكر وتعب ، ولا يكون ذلك إلا لله تعالى ، ثم قال : وقد قال تعالى : * ( ألهم أرجل يمشون بها ) * ( الأعراف : 195 ) في وصف الأصنام أفيدل ذلك على أن كل من له رجل يستحق أن يعبد ؟ فإذا قالوا لا قيل فكذلك ما ذكرتم ، وقد قال تعالى : * ( فتبارك الله أحسن الخالقين ) * ( المؤمنون : 14 ) هذا كله كلام الكعبي والجواب : قوله لا يطلق اسم الخالق على العبد ، قلنا بل يجب ذلك لأن الخلق في اللغة هو التقدير ، والتقدير يرجع إلى الظن والحسبان ، فوجب أن يكون اسم الخالق حقيقة في