ربي غني كريم ) * غني عن شكره لا يضره كفرانه ، كريم لا يقطع عنه نعمه بسبب إعراضه عن الشكر .
قوله تعالى
* ( قَالَ نَكِّرُواْ لَهَا عَرْشَهَا نَنظُرْ أَتَهْتَدِى أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لاَ يَهْتَدُونَ * فَلَمَّا جَآءَتْ قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِن قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ * وَصَدَّهَا مَا كَانَت تَّعْبُدُ مِن دُونِ اللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِن قَوْمٍ كَافِرِينَ ) * .
اعلم أن قوله : * ( نكروا ) * معناه اجعلوا العرش منكراً مغيراً عن شكله كما يتنكر الرجل للناس لئلا يعرفوه ، وذلك لأنه لو ترك على ما كان لعرفته لا محالة ، وكان لا تدل معرفتها به على ثبات عقلها وإذا غير دلت معرفتها أو توقفها فيه على فضل عقل ، ولا يمتنع صحة ما قيل إن سليمان عليه السلام ألقى إليه أن فيها نقصان عقل لكي لا يتزوجها أو لا تحظى عنده على وجه الحسد ، فأراد بما ذكرنا اختبار عقلها .
أما قوله : * ( ننظر ) * فقرئ بالجزم على الجواب وبالرفع على الاستئناف ، واختلفوا في * ( أتهتدي ) * على وجهين : أحدهما : أتعرف أنه عرشها أم لا ؟ كما قدمنا الثاني : أتعرف به نبوة سليمان أم لا ولذلك قال : * ( أم تكون من الذين لا يهتدون ) * وذلك كالذم ولا يليق إلا بطريقة الدلالة ، فكأنه عليه السلام أحب أن تنظر فتعرف به نبوته من حيث صار متنقلاً من المكان البعيد إلى هناك ، وذلك يدل على قدرة الله تعالى وعلى صدق سليمان عليه السلام ، ويعرف بذلك أيضاً فضل عقلها لأغراض كانت له ، فعند ذلك سألها .
أما قوله : * ( أهكذا عرشك ) * فاعلم أن هكذا ثلاث كلمات ، حرف التنبيه وكاف التشبيه واسم الإشارة ، ولم يقل أهذا عرشك ، ولكن أمثل هذا عرشك لئلا يكون تلقيناً فقالت : * ( كأنه هو ) * ولم تقل هو هو ولا ليس به وذلك من كمال عقلها حيث توقفت في محل التوقف .
أما قوله : * ( وأوتينا العلم من قبلها ) * ففيه سؤالان ، وهو أن هذا الكلام كلام من ؟ وأيضاً فعلى أي شيء عطف هذا الكلام ؟ وعنه جوابان : الأول : أنه كلام سليمان وقومه ، وذلك لأن بلقيس
تفسير الرازي — صفحة 199
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص١٩٩