تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 196

مساهمون:

ص١٩٦
اعلم أنها لما عرضت الواقعة على أكابر قومها وقالوا ما تقدم أظهرت رأيها ، وهو أن الملوك إذا دخلوا قرية بالقهر أفسدوها ، أي خربوها وأذلوا أعزتها ، فذكرت لهم عاقبة الحرب . وأما قوله : * ( وكذلك يفعلون ) * فقد اختلفوا أهو من كلامها أو من كلام الله تعالى كالتصويب لها والأقرب أنه من كلامها ، وأنها ذكرته تأكيداً لما وصفته من حال الملوك . أما الكلام في صفة الهدية فالناس أكثروا فيها لكن لا ذكر لها في الكتاب وقولها : * ( فناظرة بم يرجع المرسلون ) * فيه دلالة على أنها لم تثق بالقبول وجوزت الرد ، وأرادت بذلك أن ينكشف لها غرض سليمان ، ولما وصلت الهدايا إلى سليمان عليه السلام ذكر أمرين : الأول : قوله : * ( أتمدونن بمال ) * فأظهر بهذا الكلام قلة الاكتراث بذلك المال . أما قوله : * ( بل أنتم بهديتكم تفرحون ) * ففيه ثلاثة أوجه : أحدها : أن الهدية اسم للمهدي ، كما أن العطية اسم للمعطي ، فتضاف إلى المهدي وإلى المهدى إليه ، والمضاف إليه ههنا هو المهدى إليه ، والمعنى أن الله تعالى آتاني الدين الذي هو السعادة القصوى ، وآتاني من الدنيا ما لا مزيد عليه ، فكيف يستمال مثلي بمثل هذه الهدية ، بل أنتم تفرحون بما يهدى إليكم ، لكن حالي خلاف حالكم وثانيها : بل أنتم بهديتكم هذه التي أهديتموها تفرحون من حيث إنكم قدرتم على إهداء مثلها وثالثها : كأنه قال : بل أنتم من حقكم أن تأخذوا هديتكم وتفرحوا بها الثاني : قوله : * ( ارجع إليهم ) * فقيل ارجع خطاب للرسول ، وقيل للهدهد محملاً كتاباً آخر . أما قوله تعالى : * ( لا قبل ) * أي لا طاقة ، وحقيقة القبل المقاومة والمقابلة ، أي لا يقدرون أن يقابلوهم . وقرأ ابن مسعود : ( لا قبل لهم بهم ) ، والضمير في ( منها ) لسبأ ، والذل أن يذهب عنهم ما كان عندهم من العز والملك ، والصغار أن يقعوا في أسر واستعباد ، ولا يقتصر بهم على أن يرجعوا سوقة بعد أن كانوا ملوكاً . قوله تعالى * ( قَالَ يا أَيُّهَا الْمَلاَُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِى بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَن يَأْتُونِى مُسْلِمِينَ * قَالَ عِفْرِيتٌ مِّن الْجِنِّ أَنَاْ ءَاتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ * قَالَ الَّذِى عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ
تفسير الرازي — صفحة 196 | فخر الدين الرازي