داخلاً فيها ، فلما ذكر الحكمة فلم ذكر العلم ؟ جوابه : الحكمة هي العلم بالأمور العملية فقط والعلم أعم منه ، لأن العلم قد يكون عملياً وقد يكون نظرياً والعلوم النظرية أشرف من العلوم العملية ، فذكر الحكمة المشتملة على العلوم العملية ، ثم ذكر العليم وهو البالغ في كمال العلم وكمال العلم يحصل من جهات ثلاثة وحدته وعموم تعلقه بكل المعلومات وبقاؤه مصوناً عن كل التغيرات ، وما حصلت هذه الكمالات الثلاثة إلا في علمه سبحانه وتعالى .
واعلم أن الله تعالى ذكر في هذه السورة أنواعاً من القصص . القصة الأولى - قصة موسى عليه الصلاة والسلام أما قوله : * ( إذ قال موسى لأهله ) * فيدل على أنه لم يكن مع موسى عليه السلام غير امرأته ابنة شعيب عليه السلام ، وقد كنى الله تعالى عنها بالأهل فتبع ذلك ورود الخطاب على لفظ الجمع وهو قوله * ( امكثوا ) * ( القصص : 29 ) .
أما قوله : * ( إني آنست ناراً ) * فالمعنى أنهما كانا يسيران ليلاً ، وقد اشتبه الطريق عليهما والوقت وقت برد وفي مثل هذا الحال تقوى النفس بمشاهدة نار من بعد لما يرجى فيها من زوال الحيرة في أمر الطريق ، ومن الانتفاع بالنار للاصطلاء فلذلك بشرها فقال : * ( إني آنست ناراً ) * وقد اختلفوا فقال بعضهم المراد أبصرت ورأيت ، وقال آخرون بل المراد صادفت ووجدت فآنست به ، والأول أقرب ، لأنهم لا يفرقون بين قول القائل آنست ببصري ورأيت ببصري .
أما قوله : * ( سآتيكم منها بخبر ) * فالخبر ما يخبر به عن حال الطريق لأنه كان قد ضل ، ثم في الكلام حذف وهو أنه لما أبصر النار توجه إليها وقال : * ( سآتيكم منها بخبر ) * يعرف به الطريق .
أما قوله : * ( أو آتيكم بشهاب قبس ) * فالشهاب الشعلة والقبس النار المقبوسة . وأضاف الشهاب إلى القبس لأنه يكون قبساً وغير قبس ومن قرأ بالتنوين جعل القبس بدلاً أو صفة لما فيه من معنى القبس ثم ههنا أسئلة :
السؤال الأول : * ( سآتيكم منها بخبر ) * و * ( لعلي آتيكم منها بخبر ) * ( القصص : 29 ) كالمتدافعين لأن أحدهما ترج والآخر تيقن ؟ نقول جوابه : قد يقول الراجي إذا قوي رجاؤه سأفعل كذا وسيكون كذا مع تجويزه الخيبة .
السؤال الثاني : كيف جاء بسين التسويف ؟ جوابه : عدة منه لأهله أنه يأتيهم به وإن أبطأ أو كانت المسافة بعيدة .
السؤال الثالث : لماذا أدخل ( أو ) بين الأمرين وهلا جمع بينهما لحاجته إليهما معاً ؟ جوابه : بنى الرجاء على أنه إن لم يظفر بهذين المقصودين ظفر بأحدهما ، إما هداية الطريق ، وإما اقتباس النار ثقة بعادة الله تعالى لأنه لا يكاد يجمع بين حرمانين على عبده .
تفسير الرازي — صفحة 181
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص١٨١