إنما تكون للمؤمنين وثانيها : أن وجه الاختصاص أنهم تمسكوا به فخصهم بالذكر كقوله : * ( إنما أنت منذر من يخشاها ) * ( النازعات : 45 ) ، وثالثها : المراد من كونها * ( هدى للمؤمنين ) * أنها زائدة في هداهم ، قال تعالى : * ( ويزيد الله الذين اهتدوا هدى ) * ( مريم : 76 ) .
أما قوله : * ( الذين يقيمون الصلاة ) * فالأقرب أنها الصلوات الخمس لأن التعريف بالألف واللام يقتضي ذلك ، وإقامة الصلاة أن يؤتى بها بشرائطها ، وكذا القول في الزكاة فإنها هي الواجبة ، وإقامتها وضعها في حقها .
أما قوله : * ( وهم بالآخرة هم يوقنون ) * ففيه سؤال وهو : أن المؤمنين الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة لا بد وأن يكونوا متيقنين بالآخرة ، فما الوجه من ذكره مرة أخرى ؟ جوابه من وجهين : الأول : أن يكون من جملة صلة الموصول ، ثم فيه وجهان : الأول : أن كمال الإنسان في أن يعرف الحق لذاته ، والخبر لأجل العمل به ، وأما عرفان الحق فأقسام كثيرة لكن الذي يستفاد منه طريق النجاة معرفة المبدأ ، ومعرفة المعاد ، وأما الخير الذي يعمل به فأقسام كثيرة وأشرفها قسمان : الطاعة بالنفس والطاعة بالمال فقوله : * ( للمؤمنين ) * إشارة إلى معرفة المبدأ ، وقوله : * ( يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ) * إشارة إلى الطاعة بالنفس والمال ، وقوله : * ( وهم بالآخرة هم يوقنون ) * إشارة إلى علم المعاد فكأنه سبحانه وتعالى جعل معرفة المبدأ طرفاً أولاً ، ومعرفة المعاد طرفاً أخيراً وجعل الطاعة بالنفس والمال متوسطاً بينهما الثاني : أن المؤمنين الذي يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ، منهم من هو جازم بالحشر والنشر ، ومنهم من يكون شاكاً فيه إلا أنه يأتي بهذه الطاعات للاحتياط ، فيقول إن كنت مصيباً فيها فقد فزت بالسعادة ، وإن كنت مخطئاً فيها لم يفتني إلا خيرات قليلة في هذه المدة اليسيرة ، فمن يأتي بالصلاة والزكاة على هذا الوجه لم يكن في الحقيقة مهتدياً بالقرآن ، أما من كان حازماً بالآخرة كان مهتدياً به ، فلهذا السبب ذكر هذا القيد الثاني : أن يجعل قوله : * ( وهم بالآخرة هم يوقنون ) * جملة اعتراضية كأنه قيل وهؤلاء الذين يؤمنون ويعملون الصالحات من إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة هم الموقنون بالآخرة ، وهذا هو الأقرب ويدل عليه أنه عقد جملة ابتدائية وكرر فيها المبتدأ الذي هو * ( هم ) * حتى صار معناها وما يوقن بالآخرة حق الإيقان إلا هؤلاء الجامعون بين الإيمان والعمل الصالح ، لأن خوف العاقبة يحملهم على تحمل المشاق .
قوله تعالى
* ( إِنَّ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالاَْخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذَابِ وَهُمْ فِى الاَْخِرَةِ هُمُ الاَْخْسَرُونَ ) * .
تفسير الرازي — صفحة 178
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص١٧٨