تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 184

مساهمون:

ص١٨٤
أما قوله : * ( كأنها جان ) * فالجان الحية الصغيرة ، سميت جاناً ، لأنها تستتر عن الناس ، وقرأ الحسن * ( جان ) * على لغة من يهرب من التقاء الساكنين ، فيقول شأبة ودأبة . أما قوله : * ( ولم يعقب ) * معناه لم يرجع ، يقال عقب المقاتل إذا ( مر ) بعد الفرار ، وإنما خاف لظنه أن ذلك لأمر أريد به ، ويدل عليه * ( إني لا يخاف لديَّ المرسلون ) * وقال بعضهم : المراد إني إذا أمرتهم بإظهار معجز فينبغي أن لا يخافوا فيما يتعلق بإظهار ذلك وإلا فالمرسل قد يخاف لا محالة . أما قوله تعالى : * ( إلا من ظلم ) * معناه لكن من ظلم وهو محمول على ما يصدر من الأنبياء من ترك الأفضل أو الصغيرة ، ويحتمل أن يكون المقصود منه التعريض بما وجد من موسى وهو من التعريضات اللطيفة . قال الحسن رحمه الله : كان والله موسى ممن ظلم بقتل القبطي ثم بدل ، فإنه عليه السلام قال : * ( رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي ) * ( القصص : 16 ) وقرئ ( ألا من ظلم ) بحرف التنبيه . أما قوله تعالى : * ( ثم بدل حسناً بعد سوء ) * فالمراد حسن التوبة وسوء الذنب ، وعن أبي بكر في رواية عاصم ( حسناً ) . أما قوله : * ( في تسع آيات ) * فهو كلام مستأنف ، وحرف الجر فيه يتعلق بمحذوف ، والمعنى اذهب في تسع آيات إلى فرعون ، ولقائل أن يقول : كانت الآيات إحدى عشرة ، اثنتان منها اليد والعصا ، والتسع : الفلق والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم والطمسة والجدب في بواديهم والنقصان في مزارعهم . أما قوله : * ( فلما جاءتهم آياتنا مبصرة ) * فقد جعل الإبصار لها ، وهو في الحقيقة لمتأملها ، وذلك بسبب نظرهم وتفكرهم فيها ، أو جعلت كأنها لظهورها تبصر فتهتدي ، وقرأ علي بن الحسين وقتادة * ( مبصرة ) * وهو نحو مجبنة ومبخلة ، أي مكاناً يكثر فيه التبصر . أما قوله : * ( واستيقنتها أنفسهم ) * فالواو فيها واو الحال ، وقد بعدها مضمرة وفائدة ذكر الأنفس أنهم جحدوها بألسنتهم واستيقنوها في قلوبهم وضمائرهم ، والاستيقان أبلغ من الإيقان . أما قوله : * ( ظلماً وعلواً ) * فأي ظلم أفحش من ظلم من استيقن أنها آيات بينة من عند الله تعالى ، ثم كابر بتسميتها سحراً بيناً . وأما العلو فهو التكبر والترفع عن الإيمان بما جاء به موسى كقوله : * ( فاستكبروا وكانوا قوماً عالين ) * ( المؤمنون : 46 ) وقرئ ( علياً ) و ( علياً ) بالضم والكسر ، كما قرىء ( عتياً ) * ( عتياً ) * ( مريم : 8 ، 69 ) والله أعلم . القصة الثانية - قصة داود وسليمان عليهما الصلاة والسلام قوله تعالى * ( وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْماً وَقَالاَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِّنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ * وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَىْءٍ إِنَّ هَذَا