عقوقي وقد علمتك كبيراً ، وإنما قدم الأمر بتقوى الله تعالى على الأمر بطاعته ، لأن تقوى الله علة لطاعته فقدم العلة على المعلول ، ثم إن نوحاً عليه السلام لما قال لهم ذلك أجابوه بقولهم : * ( أنؤمن لك واتبعك الأرذلون ) * .
قال صاحب " الكشاف " : وقرى * ( وأتباعك الأرذلون ) * جمع تابع كشاهد وأشهاد أو جمع تبع كبطل وأبطال والواو للحال وحقها أن يضمر بعدها قد في * ( واتبعك ) * وقد جمع الأرذل على الصحة وعلى التكسير في قولهم : * ( الذين هم أراذلنا ) * ( هود : 27 ) والرذالة الخسة ، وإنما استرذلوهم لاتضاع نسبهم وقلة نصيبهم من الدنيا ، وقيل كانوا من أهل الصناعات الخسيسة كالحياكة والحجامة .
واعلم أن هذه الشبهة في نهاية الركاكة ، لأن نوحاً عليه السلام بعث إلى الخلق كافة ، فلا يختلف الحال في ذلك بسبب الفقر والغنى وشرف المكاسب ودناءتها ، فأجابهم نوع عليه السلام بالجواب الحق وهو قوله : * ( وما علمي بما كانوا يعملون ) * وهذا الكلام يدل على أنهم نسبوهم مع ذلك إلى أنهم لم يؤمنوا عن نظر وبصيرة ، وإنما آمنوا بالهوى والطمع كما حكى الله تعالى عنهم في قوله : * ( الذين هم أراذلنا بادي الرأي ) * ( هود : 27 ) ثم قال : * ( إن حسابهم إلا على ربي ) * معناه لا نعتبر إلا الظاهر من أمرهم دون ما يخفى ، ولما قال : * ( إن حسابهم إلا على ربي ) * وكانوا لا يصدقون بذلك أردفه بقوله : * ( لو تشعرون ) * ثم قال : * ( وما أنا بطارد المؤمنين ) * وذلك كالدلالة على أن القوم سألوه إبعادهم لكي يتبعوه أو ليكونوا أقرب إلى ذلك ، فبين أن الذي يمنعه عن طردهم أنهم آمنوا به ثم بين أن غرضه بما حمل من الرسالة يمنع من ذلك بقوله : * ( إن أنا إلا نذير مبين ) * والمراد إني أخوف من كذبني ولم يقبل مني ، فمن قبل فهو القريب ، ومن رد فهو البعيد ، ثم إن نوحاً عليه السلام لما تمم هذا الجواب لم يكن منهم إلا التهديد ، فقالوا : * ( لئن لم تنته يا نوح لتكونن من المرجومين ) * والمعنى أنهم خوفوه بأن يقتل بالحجارة ، فعند ذلك حصل اليأس لنوح عليه السلام من فلاحهم ، وقال : * ( رب إن قومي كذبوني فافتح بيني وبينهم فتحاً ) * وليس الغرض منه إخبار الله تعالى بالتكذيب لعلمه أن عالم الغيب والشهادة أعلم ، ولكنه أراد إني لا أدعوك عليهم لما آذوني ، وإنما أدعوك لأجلك ولأجل دينك ولأنهم كذبوني في وحيك ورسالتك * ( فافتح بيني وبينهم ) * أي فاحكم بيني وبينهم والفتاحة الحكومة ، والفتاح الحاكم لأنه يفتح المستغلق ، والمراد من هذا الحكم إنزال العقوبة عليهم لأنه قال عقبه : * ( ونجني ) * ولولا أن المراد إنزال العقوبة لما كان لذكر النجاة بعده معنى ، وقد تقدم القول في قصته مشروحاً في سورة الأعراف وسورة هود .
ثم قال تعالى : * ( فأنجيناه ومن معه في الفلك المشحون ) * قال صاحب " الكشاف " : الفلك السفينة وجمعه فلك قال تعالى : * ( وترى الفلك فيه مواخر ) * ( فاطر : 12 ) فالواحد بوزن قفل والجمع بوزن أسد والمشحون المملوء يقال شحنها عليهم خيلاً ورجالاً ، فدل ذلك على أن الذين نجوا معه كان فيهم كثرة ، وأن
تفسير الرازي — صفحة 155
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص١٥٥