تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 154

مساهمون:

ص١٥٤
الْمُرجْوِمِينَ * قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِى كَذَّبُونِ * فَافْتَحْ بَيْنِى وَبَيْنَهُمْ فَتْحاً وَنَجِّنِى وَمَن مَّعِى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * فَأَنجَيْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ فِى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ * ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ الْبَاقِينَ * إِنَّ فِى ذَلِكَ لاََيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ) * . اعلم أنه تعالى لما قص على محمد صلى الله عليه وسلم خبر موسى وإبراهيم تسلية له فيما يلقاه من قومه قص عليه أيضاً نبأ نوح عليه السلام ، فقد كان نبؤه أعظم من نبأ غيره ، لأنه كان يدعوهم ألف سنة إلا خمسين عاماً ، ومع ذلك كذبه قومه فقال : * ( كذبت قوم نوح ) * وإنما قال ( كذبت ) لأن القوم مؤنث وتصغيرها قويمة ، وإنما حكى عنهم أنهم كذبوا المرسلين لوجهين : أحدهما : أنهم وإن كذبوا نوحاً لكن تكذيبه في المعنى يتضمن تكذيب غيره ، لأن طريقة معرفة الرسل لا تختلف فمن حيث المعنى حكى عنهم أنهم كذبوا المرسلين وثانيهما : أن قوم نوح كذبوا بجميع رسل الله تعالى ، إما لأنهم كانوا من الزنادقة أو من البراهمة . وأما قوله : * ( أخوهم ) * فلأنه كان منهم ، من قول العرب يا أخا بني تميم يريدون يا واحداً منهم ، ثم إنه سبحانه حكى عن نوح عليه السلام أنه أولاً خوفهم ، وثانياً أنه وصف نفسه ، أما التخويف فهو قوله : * ( ألا تتقون ) * . واعلم أن القوم إنما قبلوا تلك الأديان للتقليد والمقلد إذا خوف خاف ، وما لم يحصل الخوف في قلبه لا يشتغل بالاستدلال ، فلهذا السبب قدم على جميع كلماته قوله : * ( ألا تتقون ) * . وأما وصفه نفسه فذاك بأمرين : أحدهما : قوله : * ( إني لكم رسول أمين ) * وذلك لأنه كان فيهم مشهوراً بالأمانة كمحمد صلى الله عليه وسلم في قريش فكأنه قال كنت أميناً من قبل ، فكيف تتهموني اليوم ؟ وثانيهما : قوله : * ( وما أسألكم عليه من أجر ) * أي على ما أنا فيه من ادعاء الرسالة لئلا يظن به أنه دعاهم للرغبة ، فإن قيل : ولماذا كرر الأمر بالتقوى ؟ جوابه : لأنه في الأول أراد ألا تتقون مخالفتي وأنا رسول الله ، وفي الثاني : ألا تتقون مخالفتي ولست آخذ منكم أجراً فهو في المعنى مختلف ولا تكرار فيه ، وقد يقول الرجل لغيره : ألا تتقي الله في عقوقي وقد ربيتك صغيراً ! ألا تتقي الله في