تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 74

مساهمون:

ص٧٤
السؤال الأول : لم قال : * ( ملة أبيكم إبراهيم ) * ولم يدخل في الخطاب المؤمنون الذين كانوا في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم ولم يكن من ولده ؟ والجواب : من وجهين : أحدهما : لما كان أكثرهم من ولده كالرسول ورهطه وجميع العرب جاز ذلك وثانيهما : وهو قول الحسن أن الله تعالى جعل حرمة إبراهيم عليه السلام على المسلمين كحرمة الوالد على ولده ، ومنه قوله تعالى * ( النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم ) * ( الأحزاب : 6 ) فجعل حرمته كحرمة الوالد على الولد ، وحرمة نسائه كحرمة الوالدة على ما قال تعالى : * ( وأزواجه أمهاتهم ) * ( الأحزاب : 6 ) . السؤال الثاني : هذا يقتضي أن تكون ملة محمد كملة إبراهيم عليهما السلام سواء ، فيكون الرسول ليس له شرع مخصوص ويؤكده قوله تعالى : * ( أن اتبع ملة إبراهيم ) * ، الجواب : هذا الكلام إنما وقع مع عبدة الأوثان ، فكأنه تعالى قال : عبادة الله وترك الأوثان هي ملة إبراهيم فأما تفاصيل الشرائع فلا تعلق لها بهذا الموضع . السؤال الثالث : ما معنى قوله تعالى : * ( هو سماكم المسلمين من قبل ) * ؟ الجواب : فيه قولان : أحدهما : أن الكناية راجعة إلى إبراهيم عليه السلام ، فإن لكل نبي دعوة مستجابة وهو قول إبراهيم عليه الصلاة والسلام : * ( ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك ) * ( البقرة : 128 ) فاستجاب الله تعالى له فجعلها أمة محمد صلى الله عليه وسلم ، وروي أنه عليه الصلاة والسلام أخبر بأن الله تعالى سيبعث محمداً بمثل ملته وأنه ستسمى أمته بالمسلمين والثاني : أن الكناية راجعة إلى الله تعالى في قوله : * ( هو اجتباكم ) * فروى عطاء عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال : إن الله سماكم المسلمين من قبل " أي في كل الكتب ، وفي هذا أي في القرآن . وهذا الوجه أقرب لأنه تعالى قال : * ( ليكون الرسول شهيداً عليكم وتكونوا شهداء على الناس ) * فبين أنه سماهم بذلك لهذا الغرض وهذا لا يليق إلا بالله ، ويدل عليه أيضاً قراءة أبي بن كعب * ( الله سماكم ) * والمعنى أنه سبحانه في سائر الكتب المتقدمة على القرآن ، وفي القرآن أيضاً بين فضلكم على الأمم وسماكم بهذا الاسم الأكرم ، لأجل الشهادة المذكورة . فلما خصكم الله بهذه الكرامة فاعبدوه ولا تردوا تكاليفه . وهذا هو العلة الثالثة : الموجبة لقبول التكليف ، وأما الكلام في أنه كيف يكون الرسول شهيداً علينا ، وكيف تكون أمته شهداء على الناس ؟ فقد تقدم في سورة البقرة ، وبينا أنه أخذ منه ما يدل على أن الإجماع حجة . النوع الرابع : شرح ما يجري مجرى المؤكد لما مضى ، وهو قوله : * ( فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ) * ويجب صرفها إلى المفروضات لأنها هي المعهودة واعتصموا بالله أي بدلائله العقلية والسمعية وألطافه وعصمته ، قال ابن عباس : " سلوا الله العصمة عن كل المحرمات " وقال القفال : اجعلوا الله عصمة لكم مما تحذرون هو مولاكم وسيدكم المتصرف فيكم فنم المولى ونعم البصير ، فكأنه سبحانه قال أنا مولاك بل أنا ناصرك وحسبك ، واعلم أن المعتزلة احتجوا بهذه الآيات
تفسير الرازي — صفحة 74 | فخر الدين الرازي