البحث الثاني : الفلاح الظفر بالراد وقيل البقاء في الخير ، وأفلح دخل في الفلاح كأبشر دخل في البشارة ، ويقال أفلحه صيره إلى الفلاح ، وعليه قراءة طلحة بن مصرف أفلح على البناء للمفعول ، وعنه أفلحوا على لغة أكلوني البراغيث أو على الإبهام والتفسير .
الصفة الأولى : قوله : * ( المؤمنون ) * وقد تقدم القول في الإيمان في سورة البقرة .
الصفة الثانية : قوله : * ( الذين هم في صلاتهم خاشعون ) * واختلفوا في الخشوع فمنهم من جعله من أفعال القلوب كالخوف والرهبة ، ومنهم من جعله من أفعال الجوارح كالسكون وترك الالتفات ، ومنهم من جمع بين الأمرين وهو الأولى . فالخاشع في صلاته لا بد وأن يحصل له مما يتعلق بالقلب من الأفعال نهاية الخضوع والتذلل للمعبود ، ومن التروك أن لا يكون ملتفت الخاطر إلى شيء سوى التعظيم ، ومما يتعلق بالجوارح أن يكون ساكناً مطرقاً ناظراً إلى موضع سجوده ، ومن التروك أن لا يلتفت يميناً ولا شمالاً ، ولكن الخشوع الذي يرى على الإنسان ليس إلا ما يتعلق بالجوارح فإن ما يتعلق بالقلب لا يرى ، قال : الحسن وابن سيرين كان المسلمون يرفعون أبصارهم إلى السماء في صلاتهم ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك فلما نزلت هذه الآية طأطأ وكان لا يجاوز بصره مصلاه ، فإن قيل فهل تقولون إن ذلك واجب في الصلاة ؟ قلنا إنه عندنا واجب ويدل عليه أمور : أحدها : قوله تعالى : * ( أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها ) * ( محمد : 24 ) والتدبر لا يتصور بدون الوقوف على المعنى ، وكذا قوله تعالى : * ( ورتل القرآن ترتيلاً ) * ( المزمل : 4 ) معناه قف على عجائبه ومعانيه وثانيها : قوله تعالى : * ( وأقم الصلاة لذكري ) * ( طه : 14 ) وظاهر الأمر للوجوب والغفلة تضاد الذكر فمن غفل في جميع صلاته كيف يكون مقيماً للصلاة لذكره وثالثها : قوله تعالى : * ( ولا تكن من الغافلين ) * ( الأعراف : 205 ) وظاهر النهي للتحريم ورابعها : قوله : * ( حتى تعلموا ما تقولون ) * النساء : 43 ) تعليل لنهي السكران وهو مطرد في الغافل المستغرق المهتم بالدنيا وخامسها : قوله عليه السلام : " إنما الخشوع لمن تمسكن وتواضع " وكلمة إنما للحصر ، وقوله عليه السلام : " من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم يزدد من الله إلا بعداً " وصلاة الغافل لا تمنع من الفحشاء ، وقال عليه السلام : " كم من قائم حظه من قيامه التعب والنصب " وما أراد به إلا الغافل ، وقال أيضاً : " ليس للعبد من صلاته إلا ما عقل " وسادسها : قال الغزالي رحمه الله : المصلي يناجي ربه كما ورد به الخبر والكلام مع الغفلة ليس بمناجاة البتة ، وبيانه أن الإنسان إذا أدى الزكاة حال الغفلة فقد حصل المقصود منها على بعض الوجوه ، وهو كسر الحرص وإغناء الفقير ، وكذا الصوم قاهر للقوى كاسر لسطوة الهوى التي هي عدوة الله تعالى . فلا يبعد أن يحصل منه مقصوده مع الغفلة ، وكذا الحج أفعال شاقة ، وفيه من المجاهدة ما يحصل به الابتلاء سواء كان القلب حاضراً أو لم يكن . أما الصلاة فليس فيها إلا ذكر وقراءة وركوع وسجود وقيام وقعود ، أما الذكر فإنه مناجاة مع الله تعالى . فإما أن يكون المقصود منه كونه مناجاة ، أو المقصود مجرد الحروف والأصوات ،
تفسير الرازي — صفحة 77
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص٧٧