تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 72

مساهمون:

ص٧٢
وليس هو على يقين من أن الذي أتي به هل هو مقبول عند الله تعالى والعواقب أيضاً مستورة " وكل ميسر لما خلق له " الرابع : قوله تعالى : * ( وجاهدوا في الله حق جهاده ) * قال صاحب " الكشاف " * ( في الله ) * أي في ذات الله ، ومن أجله . يقال هو حق عالم وجد عالم أي عالم حقاً وجداً ومنه * ( حق جهاده ) * وههنا سؤالات : السؤال الأول : ما وجه هذه الإضافة وكان القياس حق الجهاد فيه أو حق جهادكم فيه كما قال : * ( وجاهدوا في الله حق جهاده ) * ؟ والجواب : الإضافة تكون بأدنى ملابسة واختصاص ، فلما كان الجهاد مختصاً بالله من حيث إنه مفعول لوجهه ومن أجله صحت الإضافة إليه . السؤال الثاني : ما هذا الجهاد ؟ الجواب : فيه وجوه : أحدها : أن المراد قتال الكفار خاصة ، ومعنى * ( حق جهاده ) * أن لا يفعل إلا عبادة لا رغبة في الدنيا من حيث الاسم أو الغنيمة والثاني : أن يجاهدوا آخراً كما جاهدوا أولاً فقد كان جهادهم في الأول أقوى وكانوا فيه أثبت نحو صنعهم يوم بدر ، روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال لعبد الرحمن بن عوف : أما علمت أنا كنا نقرأ * ( وجاهدوا في الله حق جهاده ) * في آخر الزمان كما جاهدتموه في أوله ، فقال عبد الرحمن ومتى ذاك يا أمير المؤمنين ؟ قال إذا كانت بنو أمية الأمراء وبنو المغيرة الوزراء ، واعلم أنه يبعد أن تكون هذه الزيادة من القرآن وإلا لنقل كنقل نظائره ، ولعله إن صح ذلك عن الرسول فإنما قاله كالتفسير للآية ، وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قرأ : وجاهدوا في الله حق جهاده كما جاهدتم أول مرة . فقال عمر من الذي أمرنا بجهاده ؟ فقال قبيلتان من قريش مخزوم وعبد شمس ، فقال صدقت والثالث : قال ابن عباس : حق جهاده ، لا تخافوا في الله لومة لائم والرابع : قال الضحاك : واعملوا لله حق عمله والخامس : استفرغوا وسعكم في إحياء دين الله وإقامة حقوقه بالحرب باليد واللسان وجميع ما يمكن وردوا أنفسكم عن الهوى والميل والوجه السادس : قال عبد الله بن المبارك : حق جهاده ، مجاهدة النفس والهوى . ولما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوة تبوك قال : " رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر " والأولى أن يحمل ذلك على كل التكاليف ، فكل ما أمر به ونهى عنه فالمحافظة عليه جهاد . السؤال الثالث : هل يصح ما نقل عن مقاتل والكلبي أن هذه الآية منسوخة بقوله : * ( فاتقوا الله ما استطعتم ) * ( التغابن : 16 ) كما أن قوله : * ( اتقوا الله حق تقاته ) * ( آل عمران : 102 ) منسوخ بذلك ؟ الجواب : هذا بعيد لأن التكليف مشروط بالقدرة لقوله تعالى : * ( لا يكلف لله نفساً إلا وسعها ) * فكيف يقول الله وجاهدوا في الله على وجه لا تقدرون عليه ، وكيف وقد كان الجهاد في الأول مضيقاً حتى لا يصح أن يفر الواحد من عشرة ، ثم خففه الله بقوله : * ( الآن خفف الله عنكم ) * أفيجوز مع ذلك أن يوجبه على وجه لا يطاق حتى يقال إنه منسوخ .
تفسير الرازي — صفحة 72 | فخر الدين الرازي