تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 73

مساهمون:

ص٧٣
النوع الثالث : بيان ما يوجب قبول هذه الأوامر وهو ثلاثة : الأول : قوله : * ( هو اجتباكم ) * ومعناه أن التكليف تشريف من الله تعالى للعبد ، فلما خصكم بهذا التشريف فقد خصكم بأعظم التشريفات واختاركم لخدمته والاشتغال بطاعته ، فأي رتبة أعلى من هذا ، وأي سعادة فوق هذا ، ويحتمل في اجتباكم خصكم بالهداية والمعونة والتيسير . أما قوله تعالى : * ( وما جعل عليكم في الدين من حرج ) * فهو كالجواب عن سؤال يذكر وهو أن التكليف وإن كان تشريفاً واجباً كما ذكرتم لكنه شاق شديد على النفس ؟ فأجاب الله تعالى عنه بقوله : * ( وما جعل عليكم في الدين من حرج ) * روي أن أبا هريرة رضي الله عنه قال كيف قال الله تعالى : * ( وما جعل عليكم في الدين من حرج ) * مع أنه منعنا عن الزنا والسرقة ؟ فقال ابن عباس رضي الله عنهما : بلى ولكن الإصر الذي كان على بني إسرائيل وضع عنكم ، وههنا سؤالات : السؤال الأول : ما الحرج في أصل اللغة ؟ الجواب : روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال لبعض هذيل ما تعدون الحرج فيكم ؟ قال الضيق ، وعن عائشة رضي الله عنها : " سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال الضيق " . السؤال الثاني : ما المراد من الحرج في الآية ؟ الجواب : قيل هو الإتيان بالرخص ، فمن لم يستطع أن يصلي قائماً فليصل جالساً ومن لم يستطع ذلك فليؤم ، وأباح للصائح الفطر في السفر والقصر فيه . وأيضاً فإنه سبحانه لم يبتل عبده بشيء من الذنوب إلا وجعل له مخرجاً منها إما بالتوبة أو بالكفارة ، وعن ابن عمر رضي الله عنهما " إنه من جاءته رخصة فرغب عنها كلف يوم القيامة أن يحمل ثقل تنين حتى يقضي بين الناس " وعن النبي صلى الله عليه وسلم " إذا اجتمع أمران فأحبهما إلى الله تعالى أيسرهما " وعن كعب : أعطى الله هذه الأمة ثلاثاً لم يعطهم إلا للأنبياء : " جعلهم شهداء على الناس ، وما جعل عليهم في الدين من حرج ، وقال أدعوني أستجب لكم " . السؤال الثالث : استدلت المعتزلة بهذه الآية في المنع من تكليف مالا يطاق ، فقالوا : لما خلق الله الكفر والمعصية في الكافر والعاصي ثم نهاه عنهما كان ذلك من أعظم الحرج وذلك منفي بصريح هذا النص والجواب : لما أمره بترك الكفر وترك الكفر يقتضي انقلاب علمه جهلاً فقد أمر الله المكلف بقلب علم الله جهلاً وذلك من أعظم الحرج ، ولما استوى القدمان زال السؤال . الموجب الثاني : لقبول التكليف قوله : * ( ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل ) * وفي نصب الملة وجهان : أحدهما : وهو قول الفراء أنها منصوبة بمضمون ما تقدمها كأنه قيل وسع دينكم توسعة ملة أبيكم إبراهيم ، ثم حذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه والثاني : أن يكون منصوباً على المدح والتعظيم أي أعني بالدين ملة أبيكم إبراهيم ، واعلم أن المقصود من ذكره التنبيه على أن هذه التكاليف والشرائع هي شريعة إبراهيم عليه الصلاة والسلام . والعرب كانوا محبين لإبراهيم عليه السلام لأنهم من أولاده ، فكان التنبيه على ذلك كالسبب لصيرورتهم منقادين لقبول هذا الدين وههنا سؤالات :
تفسير الرازي — صفحة 73 | فخر الدين الرازي