تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 69

مساهمون:

ص٦٩
المطلوب الثاني : أن الطالب من عبد الصنم ، والمطلوب نفس الصنم أو عبادتها ، وهذا أقرب لأن كون الصنم طالباً ليس حقيقة بل هو على سبيل التقدير ، أما ههنا فعلى سبيل التحقيق لكن المجاز فيه حاصل لأن الوثن لا يصح أن يكون ضعيفاً ، لأن الضعف لا يجوز إلا على من يصح أن يقوى ، وههنا وجه ثالث وهو أن يكون معنى قوله : * ( ضعف ) * لا من حيث القوة ولكن لظهور قبح هذا المذهب ، كما يقال للمرء عند المناظرة : ما أضعف هذا المذهب وما أضعف هذا الوجه . أما قوله : * ( ما قدروا الله حق قدره ) * أي ما عظموه حق تعظيمه ، حيث جعلوا هذه الأصنام على نهاية خساستها شريكة له في المعبودية ، وهذه الكلمة مفسرة في سورة الأنعام ، وهو * ( قوي ) * لا يتعذر عليه فعل شيء و * ( عزيز ) * لا يقدر أحد على مغالبته ، فأي حاجة إلى القول بالشريك . قال الكلبي في هذه الآية ونظيرها في سورة الأنعام : إنها نزلت في جماعة من اليهود وهم مالك ابن الصيف وكعب بن الأشرف وكعب بن أسد وغيرهم لعنهم الله ، حيث قالوا إنه سبحانه لما فرغ من خلق السماوات والأرض أعيا من خلقها فاستلقى واستراح ووضع إحدى رجليه على الأخرى ، فنزلت هذه الآية تكذيباً لهم ونزل قوله تعالى : * ( وما مسنا من لغوب ) * . واعلم أن منشأ هذه الشبهات هو القول بالتشبيه فيجب تنزيه ذات الله تعالى عن مشابهة سائر الذوات خلاف ما يقوله المشبهة ، وتنزيه صفاته عن مشابهة سائر الصفات خلاف ما يقوله الكرامية ، وتنزيه أفعاله عن مشابهة سائر الأفعال ، أعني الغرض والداعي واستحقاق المدح والذم خلاف ما تقوله المعتزلة ، قال الإمام أبو القاسم الأنصاري رحمه الله ، فهو سبحانه جبار النعت عزيز الوصف فالأوهام لا تصوره والأفكار لا تقدره والعقول لا تمثله والأزمنة لا تدركه والجهات لا تحويه ولا تحده ، صمدي الذات سرمدي الصفات . قوله تعالى * ( اللَّهُ يَصْطَفِى مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ * يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الاُْمُورُ ) * . اعلم أنه سبحانه لما قدم ما يتعلق بالإلهيات ذكر ههنا ما يتعلق بالنبوات ، قال مقاتل : قال الوليد ابن المغيرة : أأنزل عليه الذكر من بيننا ؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية ، وههنا سؤالان : السؤال الأول : كلمة * ( من ) * للتبعيض فقوله : * ( الله يصطفي من الملائكة رسلاً ) * ( فاطر : 1 ) يقتضي أن تكون الرسل بعضهم لا كلهم ، وقوله : * ( جاعل الملائكة رسلاً ) * يقتضي كون كلهم رسلاً فوقع التناقض والجواب : جاز أن يكون المذكور ههنا من كان رسلاً إلى بني آدم ، وهم أكابر الملائكة