تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 148

مساهمون:

ص١٤٨
الأول ، وإذا كان كذلك كان كل جزء من أجزاء البدن حياً على حدة وعالماً على حدة وقادراً على حدة ، وإذا ثبت هذا فنقول الزاني هو الفرج لا الظهر ، فكيف يحسن من الحكيم أن يأمر بجلد الظهر ، ولأنه ربما كان الإنسان حال إقدامه على الزنا عجيفاً نحيفاً ثم يسمن بعد ذلك فكيف يجوز إيلام تلك الأجزاء الزائدة مع أنها كانت بريئة عن فعل الزنا ، فإن قال قائل هذا مدفوع من وجهين : الأول : وهو أنه ليس كل واحد من أجزاء البدن فاعلاً على حدة وحياً على حدة وذلك محال ، بل الحياة والعلم والقدرة تقوم بالجزء الواحد ثم توجب حكم الحيية والعالمية والقادرية لمجموع الأجزاء ، فيكون المجموع حياً واحداً عالماً واحداً قادراً واحداً ، وعلى هذا التقدير يزول السؤال الثاني : أن يقال الذي هو الفاعل والمحرك والمدرك شيء ليس بجسم ولا جسماني . وإنما هو مدبر لهذا البدن ، وعلى هذا التقدير أيضاً يزول السؤال والجواب : أما الأول فضعيف ، وذلك لأن العلم إذا قام بجزء واحد ، فإما أن يحصل بمجموع الأجزاء عالمية واحدة فيلزم قيام الصفة الواحدة بالمحال الكثيرة وهو محال ، أو يقوم بكل جزء عالمية على حدة فيعود المحذور المذكور ، وأما الثاني ففي نهاية البعد لأنه إذا كان الفاعل للقبيح هو ذلك المباين فلم يضرب هذا الجسد ؟ واعلم أن المقصود من أحكام الشرع رعاية المصالح ، ونحن نعلم أن شرع الحد يفيد الزجر ، فكان المقصود حاصلاً والله أعلم . أما قوله تعالى : * ( ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله ) * ففيه مسألتان : المسألة الأولى : الرأفة الرقة والرحمة وقراءة العامة بسكون الهمزة وقرئ رأفة بفتح الهمزة ورآفة على فعالة . المسألة الثانية : يحتمل أن يكون المراد أن لا تأخذكم رأفة بأن يعطل الحد أو ينقص منه ، والمعنى لا تعطلوا حدود الله ولا تتركوا إقامتها للشفقة والرحمة ، وهذا قول مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير واختيار الفراء والزجاج ، ويحتمل أن لا تأخذكم رأفة بأن يخفف الجلد وهو قول سعيد بن المسيب والحسن وقتادة ، ويحتمل كلا الأمرين والأول أولى لأن الذي تقدم ذكره الأمر بنفس الجلد ، ولم يذكر صفته ، فما يعقبه يجب أن يكون راجعاً إليه وكفى برسول الله أسوة في ذلك حيث قال : " لو سرقت فاطمة بنت محمد لقطعت يدها " ونبه بقوله في دين الله على أن الدين إذا أوجب أمراً لم يصح استعمال الرأفة في خلافه . أما قوله تعالى : * ( إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ) * فهو من باب التهييج والنهاب الغضب لله تعالى ولدينه . قال الجبائي تقدير الآية : إن كنتم مؤمنين فلا تتركوا إقامة الحدود ، وهذا يدل على أن الاشتغال بأداء الواجبات من الإيمان بخلاف ما تقوله المرجئة والجواب : أن الرأفة لا تحصل إلا إذا حكم الإنسان بطبعه أن الأولى أن لا تقام تلك الحدود ، وحينئذ يكون منكراً للدين فيخرج عن الإيمان في الحديث " يؤتى بوال نقص من الحد سوطاً ، فيقال له لم فعلت ذاك ؟