تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 144

مساهمون:

ص١٤٤
فليجلدها " وفي رواية أخرى " فليجلدها الحد " قال أبو بكر الرازي لا دلالة في هذه الأخبار ، لأن قوله : " أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم " هو كقوله : * ( الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ) * ومعلوم أن المراد منه رفعه إلى الإمام لإقامة الحد والمخاطبون بإقامة الحد هم الأئمة ، وسائر الناس مخاطبون برفع الأمر إليهم حتى يقيموا عليهم الحدود فكذلك قوله : " أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم " على هذا المعنى ، وأما قوله : " إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها " فإنه ليس كل جلد حداً ، لأن الجلد قد يكون على وجه التعزير ، فإذا عزرنا فقد وفينا بمقتضى الحديث . والجواب : أن قوله : " أقيموا الحدود " أمر بإقامة الحد فحمل هذا اللفظ على رفع الواقعة إلى الإمام عدول عن الظاهر ، أقصى ما في الباب أنه ترك الظاهر في قوله فاجلدوا ، لكن لا يلزم من ترك الظاهر هناك تركه ههنا ، أما قوله : " فليجلدها " المراد هو التعزير فباطل لأن الجلد المذكور عقيب الزنا لا يفهم منه إلا الحد وثانيها : أن السلطان لما ملك إقامة الحد عليه فسيده به أولى لأن تعلق السيد بالعبد أقوى من تعلق السلطان به ، لأن الملك أقوى من عقد البيعة ، وولاية السادة على العبيد فوق ولاية السلطان على الرعية ، حتى إذا كان للأمة سيد وأب فإن ولاية النكاح للسيد دون الأب ، ثم إن الأب مقدم على السلطان في ولاية النكاح فيكون السيد مقدماً على السلطان بدرجات فكان أولى ، ولأن السيد يملك من التصرفات في هذا المحل ما لا يملكه الإمام فثبت أن المولى أولى وثالثها : أجمعنا على أن السيد يملك التعزير فكذا الحد ، لأن كل واحد نظير الآخر وإن كان أحدهما مقدراً والآخر غير مقدر ، واحتج أبو بكر الرازي على مذهب أبي حنيفة بوجوه : أحدها : قال قوله تعالى : * ( الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ) * لا شك أنه خطاب مع الأئمة دون عامة الناس ، فالتقدير فاجلدوا أيها الأئمة والحكام كل واحد منهما مائة جلدة ، ولم يفرق في هذه الآية بن المحدودين من الأحرار والعبيد ، فوجب أن تكون الأئمة هم المخاطبون بإقامة الحدود على الأحرار والعبيد دون الموالي وثانيها : أنه لو جاز للمولى أن يسمع شهادة الشهود على عبده بالسرقة فيقطعه ، فلو رجعوا عن شهادتهم لوجب أن يتمكن من تضمين الشهود ، لأن تضمين الشهود يتعلق بحكم الحاكم بالشهادة ، لأنه لو لم يكن يحكم بشهادتهم لم يضمنوا شيئاً فكان يصير حاكماً لنفسه بإيجاب الضمان عليهم وذلك باطل لأنه ليس لأحد من الناس أن يحكم لنفسه . فعلمنا أن المولى لا يملك استماع البينة على عبده بذلك ولا قطعه وثالثها : أن المالك ربما لا يستوفي الحد بكماله لشفقته على ملكه ، وإذا كان متهماً وجب أن لا يفوض إليه والجواب : عن الأول أن قوله * ( فاجلدوا ) * ليس بصريحه خطاباً مع الإمام ، لكن بواسطة أنه لما انعقد الإجماع على أن غير الإمام لا يتولاه حملنا ذلك الخطاب على الإمام ، وههنا لم ينعقد الإجماع على أن الإمام لا يتولاه لأنه عين النزاع والجواب : عن الثاني قال محيي السنة في كتاب " التهذيب " هل يجوز للمولى قطع يد عبده بسبب السرقة أو قطع الطريق ؟ فيه وجهان أصحهما أنه يجوز ، نص عليه في رواية البويطي لما روي