تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 143

مساهمون:

ص١٤٣
قائم وعند اجتماع الصارفين يقوى الانصراف ، فثبت أنه إنما أقدم على هذا الإقرار لكونه صادقاً . وإذا ظهر اندرج تحت الحديث وتحت الآية ، أو نقيسه على الإقرار بالقتل والردة ، واحتج أبو حنيفة رحمه الله بوجوه : أحدها : قصة ماعز والاستدلال بها من وجوه : الأول : أنه عليه السلام أعرض عنه في المرة الأولى ، ولو وجب عليه الحد لم يعرض عنه ، لأن الإعراض عن إقامة حد الله تعالى بعد كمال الحجة لا يجوز الثاني : أنه عليه السلام قال : " إنك شهدت على نفسك أربع مرات " ولو كان الواحد مثل الأربع في إيجاب الحد كان هذا القول لغواً والثالث : روي عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه قال لماعز بعدما أقر ثلاث مرات : " لو أقررت الرابعة لرجمك رسول الله " والرابع : عن بريدة الأسلمي قال : " كنا معشر أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم نقول لو لم يقر ماعز أربع مرات ما رجمه رسول الله صلى الله عليه وسلم " وثانيها : أنهم قاسوا الإقرار على الشهادة فكما أنه لا يقبل في الزنا إلا أربع شهادات فكذا في الإقرار به والجامع السعي في كتمان هذه الفاحشة وثالثها : أن الزنا لا ينتفي إلا بأربع شهادات أو بأربع أيمان في اللعان فجاز أيضاً أن لا يثبت إلا بالإقرار أربع مرات ، وبه يفارق سائر الحقوق فإنها تنتفي بيمين واحد ، فجاز أيضاً أن يثبت بإقرار واحد والجواب : عن الأول أنه ليس في الحديث إلا أنه عليه السلام حكم بالشهادات الأربع وذلك لا ينافي جواز الحكم بالشهادة الواحدة وعن الثاني : أن الفرق بينهما أن المقذوف لو أقر بالزنا مرة لسقط الحد عن القاذف ، ولولا أن الزنا ثبت لما سقط كما لو شهد اثنان بالزنا لا يسقط الحد عن القاذف حيث لم يثبت به الزنا والله أعلم . والطريق الثالث : الشهادة وقد أجمعوا على أنه لا بد من أربع شهادات ، ويدل عليه قوله تعالى : * ( فاستشهدوا عليهن أربعة منكم ) * ( النساء : 15 ) والكلام فيه سيأتي إن شاء الله تعالى في قوله : * ( ثم لم يأتوا بأربعة شهداء ) * . البحث الخامس : في أن المخاطب بقوله تعالى : * ( فاجلدوا ) * من هو ؟ أجمعت الأمة على أن المخاطب بذلك هو الإمام ، ثم احتجوا بهذا على وجوب نصب الإمام ، قالوا لأنه سبحانه أمر بإقامة الحد ، وأجمعوا على أنه لا يتولى إقامته إلا الإمام وما لا يتم الواجب المطلق إلا به ، وكان مقدوراً للمكلف فهو واجب فكان نصب الإمام واجباً ، وقد مر بيان هذه الدلالة في قوله : * ( والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما ) * ( المائدة : 38 ) بقي ههنا ثلاث مسائل : المسألة الأولى : قال الشافعي رحمه الله السيد يملك إقامة الحد على مملوكه . وهو قول ابن مسعود وابن عمر وفاطمة وعائشة . وعند أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد وزفر رحمهم الله لا يملك ، وقال مالك يحده المولى من الزنا وشرب الخمر والقذف ولا يقطعه في السرقة وإنما يقطعه الإمام وهو قول الليث ، واحتج الشافعي رحمه الله بوجوه : أحدها : قوله عليه السلام : " أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم " وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال عليه السلام : " إذا زنت أمة أحدكم