تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 98

مساهمون:

ص٩٨
وذلك يدل على قدرة كاملة . وثانيها : أنها تدل على العبرة من حيث إن الإنسان يعرف بها أن الدنيا لا تبقى ، فنهاية كل متحرك سكون ، وغاية كل متكون أن لا يكون ، فيرفع قلبه عن حب الدنيا وتقوى رغبته في طلب الآخرة ، كما قال : * ( لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ) * ( يوسف : 111 ) وثالثها : أنه صلى الله عليه وسلم لما ذكر قصص الأولين من غير تحريف ولا تغيير مع أنه لم يتعلم ولم يتلمذ ، دل ذلك على أنه بوحي من الله تعالى ، كما قال في سورة الشعراء بعد أن ذكر القصص * ( وإنه لتنزيل رب العالمين نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين ) * ( الشعراء : 192 - 194 ) . والوجه الثاني : أنهم كلما سمعوا حروف التهجي في أوائل السور ولم يفهموا منها شيئاً ساء ظنهم بالقرآن . وقد أجاب الله تعالى عنه بقوله : * ( هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات ) * ( آل عمران : 7 ) . والوجه الثالث : أنهم رأوا أن القرآن يظهر شيئاً فشيئاً ، فصار ذلك سبباً للطعن الردئ فقالوا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة فأجاب الله تعالى عنه بقوله : * ( كذلك لنثبت به فؤادك ) * ( الفرقان : 32 ) وقد شرحنا هذا الجواب في سورة الفرقان . والوجه الرابع : أن القرآن مملوء من إثبات الحشر والنشر ، والقوم كانوا قد ألفوا المحسوسات فاستبعدوا حصول الحياة بعد الموت ، ولم يتقرر ذلك في قلوبهم ، فظنوا أن محمداً عليه السلام إنما يذكر ذلك على سبيل الكذب ، والله تعالى بين صحة القول بالمعاد بالدلائل القاهرة الكثيرة . الوجه الخامس : أن القرآن مملوء من الأمر بالصلاة والزكاة وسائر العبادات ، والقوم كانوا يقولون إله العالمين غني عنا وعن طاعتنا ، وإنه تعالى أجل من أن يأمر بشيء لا فائدة فيه ، فأجاب الله تعالى عنه بقوله : * ( أفحسبتم أنما خلقناكم عبثاً ) * ( المؤمنون : 115 ) وبقوله : * ( إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها ) * ( الإسراء : 7 ) وبالجملة فشبهات الكفار كثيرة ، فهم لما رأوا القرآن مشتملاً على أمور ما عرفوا حقيقتها ولم يطلعوا على وجه الحكمة فيها لا جرم كذبوا بالقرآن ، والحاصل أن القوم ما كانوا يعرفون أسرار الإلهيات ، وكانوا يجرون الأمور على الأحوال المألوفة من عالم المحسوسات وما كانوا يطلبون حكمها ولا وجوه تأويلاتها ، فلا جرم وقعوا في التكذيب والجهل ، فقوله : * ( بل كذبوا لما لم يحيطوا بعلمه ) * إشارة إلى عدم علمهم بهذه الأشياء ، وقوله : * ( ولما يأتهم تأويله ) * إشارة إلى عدم جدهم واجتهادهم في طلب تلك الأسرار . ثم قال : * ( فانظر كيف كان عاقبة الظالمين ) * والمراد أنهم طلبوا الدنيا وتركوا الآخرة ، فلما ماتوا فاتتهم الدنيا والآخرة فبقوا في الخسار العظيم ، ومن الناس من قال المراد منه عذاب الاستئصال وهو الذي نزل بالأمم الذين كذبوا الرسل من ضروب العذاب في الدنيا ، قال أهل التحقيق قوله :
تفسير الرازي — صفحة 98 | فخر الدين الرازي