تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 96

مساهمون:

ص٩٦
العلوم الكثيرة لا بد وأن يشتمل على نوع من أنواع التناقض ، وحيث خلي هذا الكتاب عنه ، علمنا أنه من عند الله وبوحيه وتنزيله ، ونظيره قوله تعالى : * ( ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً ) * ( النساء : 82 ) . واعلم أنه تعالى لما ذكر في أول هذه الآية أن هذا القرآن لا يليق بحاله وصفته أن يكون كلاماً مفترى على الله تعالى ، وأقام عليه هذين النوعين من الدلائل المذكورة ، عاد مرة أخرى بلفظ الاستفهام على سبيل الإنكار ، فقال : * ( أم يقولون افتراه ) * ثم إنه تعالى ذكر حجة أخرى على إبطال هذا القول ، فقال : * ( قل فأتوا بسورة مثله وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين ) * وهذه الحجة بالغنا في تقريرها في تفسير قوله تعالى في سورة البقرة : * ( وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين ) * ( البقرة : 23 ) وههنا سؤالات : السؤال الأول : لم قال في سورة البقرة : * ( من مثله ) * وقال ههنا : * ( فأتوا بسورة مثله ) * . والجواب : أن محمداً عليه السلام كان رجلاً أمياً ، لم يتلمذ لأحد ولم يطالع كتاباً فقال في سورة البقرة : * ( فأتوا بسورة من مثله ) * يعني فليأت إنسان يساوي محمداً عليه السلام في عدم التلمذ وعدم مطالعة الكتب وعدم الاشتغال بالعلوم بسورة تساوي هذه السورة ، وحيث ظهر العجز ظهر المعجز . فهذا لا يدل على أن السورة في نفسها معجزة ، ولكنه يدل على أن ظهور مثل هذه السورة من إنسان مثل محمد عليه السلام في عدم التلمذ والتعلم معجز ، ثم إنه تعالى بين في هذه السورة أن تلك السورة في نفسها معجز ، فإن الخلق وإن تلمذوا وتعلموا وطالعوا وتفكروا ، فإنه لا يمكنهم الإتيان بمعارضة سورة واحدة من هذه السور ، فلا جرم قال تعالى في هذه الآية : * ( فأتوا بسورة مثله ) * ولا شك أن هذا ترتيب عجيب في باب التحدي وإظهار المعجز . السؤال الثاني : قوله : * ( فأتوا بسورة مثله ) * هل يتناول جميع السور الصغار والكبار ، أو يختص بالسور الكبار . الجواب : هذه الآية في سورة يونس وهي مكية ، فالمراد مثل هذه السورة ، لأنها أقرب ما يمكن أن يشار إليه . السؤال الثالث : أن المعتزلة تمسكوا بهذه الآية على أن القرآن مخلوق ، قالوا : إنه عليه السلام تحدى العرب بالقرآن ، والمراد من التحدي : أنه طلب منهم الإتيان بمثله ، فإذا عجزوا عنه ظهر كونه حجة من عند الله على صدقه ، وهذا إنما يمكن لو كان الإتيان بمثله صحيح الوجود في الجملة ولو كان قديماً لكان الإتيان بمثل القديم محالاً في نفس الأمر ، فوجب أن لا يصح التحدي .