تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 95

مساهمون:

ص٩٥
كان مجيء محمد عليه السلام تصديقاً لما في تلك الكتب ، من البشارة بمجيئه صلى الله عليه وسلم ، فكان هذا عبارة عن تصديق الذي بين يديه . الحجة الثالثة : أنه عليه السلام أخبر في القرآن عن الغيوب الكثيرة في المستقبل ، ووقعت مطابقة لذلك الخبر ، كقوله تعالى : * ( ألم غلبت الروم ) * ( الروم : 1 ، 2 ) الآية ، وكقوله تعالى : * ( لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق ) * ( الفتح : 27 ) وكقوله : * ( وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض ) * ( النور : 55 ) وذلك يدل على أن الإخبار عن هذه الغيوب المستقبلة ، إنما حصل بالوحي من الله تعالى ، فكان ذلك عبارة عن تصديق الذي بين يديه ، فالوجهان الأولان : إخبار عن الغيوب الماضية والوجه الثالث : إخبار عن الغيوب المستقبلة ، ومجموعها عبارة عن تصديق الذي بين يديه . النوع الثاني : من الدلائل المذكورة في هذه الآية قوله تعالى : * ( وتفصيل كل شيء ) * . واعلم أن الناس اختلفوا في أن القرآن معجز من أي الوجوه ؟ فقال بعضهم : إنه معجز لاشتماله على الإخبار عن الغيوب الماضية والمستقبلة ، وهذا هو المراد من قوله : * ( تصديق الذي بين يديه ) * ومنهم من قال : إنه معجز لاشتماله على العلوم الكثيرة ، وإليه الإشارة بقوله : * ( وتفصيل كل شيء ) * وتحقيق الكلام في هذا الباب أن العلوم إما أن تكون دينية أو ليست دينية ، ولا شك أن القسم الأول أرفع حالاً وأعظم شأناً وأكمل درجة من القسم الثاني . وأما العلوم الدينية ، فإما أن تكون علم العقائد والأديان ، وإما أن تكون علم الأعمال . أما علم العقائد والأديان فهو عبارة عن معرفة الله تعالى وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر . أما معرفة الله تعالى ، فهي عبارة عن معرفة ذاته ومعرفة صفات جلاله ، ومعرفة صفات إكرامه ، ومعرفة أفعاله ، ومعرفة أحكامه ، ومعرفة أسمائه والقرآن مشتمل على دلائل هذه المسائل وتفاريعها وتفاصيلها على وجه لا يساويه شيء من الكتب ، بل لا يقرب منه شيء من المصنفات . وأما علم الأعمال فهو إما أن يكون عبارة عن علم التكاليف المتعلقة بالظواهر وهو علم الفقه . ومعلوم أن جميع الفقهاء إنما استنبطوا مباحثهم من القرآن ، وإما أن يكون علماً بتصفية الباطن أو رياضة القلوب . وقد حصل في القرآن من مباحث هذا العلم ما لا يكاد يوجد في غيره ، كقوله : * ( خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين ) * ( الأعراف : 199 ) وقوله : * ( إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي ) * ( النمل : 90 ) فثبت أن القرآن مشتمل على تفاصيل جميع العلوم الشريفة ، عقليها ونقليها ، اشتمالاً يمتنع حصوله في سائر الكتب فكان ذلك معجزاً ، وإليه الإشارة بقوله : * ( وتفصيل الكتاب ) * . أما قوله : * ( لا ريب فيه من رب العالمين ) * فتقريره : أن الكتاب الطويل المشتمل على هذه
تفسير الرازي — صفحة 95 | فخر الدين الرازي