تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 85

مساهمون:

ص٨٥
واعلم أن هذه الآية كالتتمة لما قبلها . وقوله : * ( هنالك ) * معناه : في ذلك المقام وفي ذلك الموقف أو يكون المراد في ذلك الوقت على استعارة اسم المكان للزمان ، وفي قوله : * ( تبلوا ) * مباحث : البحث الأول : قرأ حمزة والكسائي * ( تتلوا ) * بتاءين ، وقرأ عاصم * ( نبلو كل نفس ) * بالنون ونصب كل والباقون * ( تبلوا ) * بالتاء والباء . أما قراءة حمزة والكسائي فلها وجهان : الأول : أن يكون معنى قوله : * ( تتلوا ) * أي تتبع ما أسلفت ، لأن عمله هو الذي يهديه إلى طريق الجنة وإلى طريق النار . الثاني : أن يكون المعنى : أن كل نفس تقرأ ما في صحيفتها من خير أو شر ومنه قوله تعالى : * ( اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيباً ) * ( الإسراء : 14 ) وقال : * ( فأولئك يقرؤن كتابهم ) * ( الإسراء : 71 ) وأما قراءة عاصم فمعناها : أن الله تعالى يقول في ذلك الوقت نختبر كل نفس بسبب اختبار ما أسلفت من العمل ، والمعنى : أنا نعرف حالها بمعرفة حال عملها ، إن كان حسناً فهي سعيدة ، وإن كان قبيحاً فهي شقية ، والمعنى نفعل بها فعل المختبر ، كقوله تعالى : * ( ليبلوكم أيكم أحسن عملاً ) * ( الملك : 2 ) وأما القراءة المشهورة فمعناها : أن كل نفس نختبر أعمالها في ذلك الوقت . البحث الثاني : الابتلاء عبارة عن الاختبار قال تعالى : * ( وبلوناهم بالحسنات والسيئات ) * ( الأعراف : 168 ) ويقال : البلاء ثم الابتلاء أي الاختبار ينبغي أن يكون قبل الابتلاء . ولقائل أن يقول : إن في ذلك الوقت تنكشف نتائج الأعمال وتظهر آثار الأفعال ، فكيف يجوز تسمية حدوث العلم بالابتلاء ؟ وجوابه : أن الابتلاء سبب لحدوث العلم ، وإطلاق اسم السبب على المسبب مجاز مشهور . وأما قوله : * ( وردوا إلى الله مولاهم الحق ) * فاعلم أن الرد عبارة عن صرف الشيء إلى الموضع الذي جاء منه ، وههنا فيه احتمالات : الأول : أن يكون المراد من قوله : * ( وردوا إلى الله ) * أي وردوا إلى حيث لا حكم إلا لله على ما تقدم من نظائره . والثاني : أن يكون المراد * ( وردوا ) * إلى ما يظهر لهم من الله من ثواب وعقاب ، منبهاً بذلك على أن حكم الله بالثواب والعقاب لا يتغير . الثالث : أن يكون المراد من قوله : * ( وردوا إلى الله ) * أي جعلوا ملجئين إلى الإقرار بإلهيته ، بعد أن كانوا في الدنيا يعبدون غير الله تعالى ، ولذلك قال : * ( مولاهم الحق ) * أعني أعرضوا عن المولى الباطل ورجعوا إلى المولى الحق . وأما قوله : * ( مولاهم الحق ) * فقد مر تفسيره في سورة الأنعام . وأما قوله : * ( وضل عنهم ما كانوا يفترون ) * فالمراد أنهم كانوا يدعون فيما يعبدونه أنهم شفعاء وأن عبادتهم مقربة إلى الله تعالى ، فنبه تعالى على أن ذلك يزول في الآخرة ، ويعلمون أن ذلك باطل وافتراء واختلاق .