تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 83

مساهمون:

ص٨٣
البحث الأول : أن هذه الكلمة جاءت على لفظ المضي بعد قوله : * ( ثم نقول ) * وهو منتظر ، والسبب فيه أن الذي حكم الله فيه ، بأن سيكون صار كالكائن الراهن الآن ، ونظيره قوله تعالى : * ( ونادى أصحاب الجنة ) * ( الأعراف : 44 ) . البحث الثاني : زيلنا فرقنا وميزنا . قال الفراء : قوله : * ( فزيلنا ) * ليس من أزلت ، إنما هو من زلت إذا فرقت . تقول العرب : زلت الضأن من المعز فلم تزل . أي ميزتها فلم تتميز ، ثم قال الواحدي : فالزيل والتزييل والمزايلة ، والتمييز والتفريق . قال الواحدي : وقرئ * ( فزايلنا بينهم ) * وهو مثل * ( فزيلنا ) * وحكى الواحدي عن ابن قتيبة أنه قال في هذه الآية : هو من زال يزول وأزلته أنا ، ثم حكى عن الأزهري أنه قال : هذا غلط ، لأنه لم يميز بين زال يزول ، وبين زال يزيل ، وبينهما بون بعيد ، والقول ما قاله الفراء ، ثم قال المفسرون : * ( فزيلنا ) * أي فرقنا بين المشركين وبين شركائهم من الآلهة والأصنام ، وانقطع ما كان بينهم من التواصل في الدنيا . وأما قوله : * ( وقال شركاؤهم ما كنتم أيانا تعبدون ) * ففيه مباحث : البحث الأول : إنما أضاف الشركاء إليهم لوجوه : الأول : أنهم جعلوا نصيباً من أموالهم لتلك الأصنام ، فصيروها شركاء لأنفسهم في تلك الأموال ، فلهذا قال تعالى : * ( وقال شركاؤهم ) * الثاني : أنه يكفي في الإضافة أدنى تعلق ، فلما كان الكفار هم الذين أثبتوا هذه الشركة ، لا جرم حسنت إضافة الشركاء إليهم . الثالث : أنه تعالى لما خاطب العابدين والمعبودين بقوله : * ( مكانكم ) * صاروا شركاء في هذا الخطاب . البحث الثاني : اختلفوا في المراد بهؤلاء الشركاء . فقال بعضهم : هم الملائكة ، واستشهدوا بقوله تعالى : * ( يوم نحشرهم جميعاً ثم يقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون ) * ( سبأ : 40 ) ومنهم من قال : بل هي الأصنام ، والدليل عليه : أن هذا الخطاب مشتمل على التهديد والوعيد ، وذلك لا يليق بالملائكة المقربين ، ثم اختلفوا في أن هذه الأصنام كيف ذكرت هذا الكلام . فقال بعضهم : إن الله تعالى يخلق الحياة والعقل والنطق فيها ، فلا جرم قدرت على ذكر هذا الكلام . وقال آخرون إنه تعالى يخلق فيها الكلام من غير أن يخلق فيها الحياة حتى يسمع منها ذلك الكلام ، وهو ضعيف ، لأن ظاهر قوله : * ( وقال شركاؤهم ) * يقتضي أن يكون فاعل ذلك القول هم الشركاء . فإن قيل : إذا أحياهم الله تعالى فهل يبقيهم أو يفنيهم ؟ قلنا : الكل محتمل ولا اعتراض على الله في شيء من أفعاله ، وأحوال القيامة غير معلومة ، إلا القليل الذي أخبر الله تعالى عنه في القرآن .