شُرَكَآؤُهُمْ مَّا كُنتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ * فَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِن كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ
وفيه مسائل :
المسألة الأولى : اعلم أن هذا نوع آخر من شرح فضائح أولئك الكفار ، فالضمير في قوله * ( ويوم نحشرهم ) * عائد إلى المذكور السابق ، وذلك هو قوله : * ( والذين كسبوا السيئات ) * ( يونس : 27 ) فلما وصف الله هؤلاء الذين يحشرهم بالشرك والكفر ، دل على أن المراد من قوله : * ( والذين كسبوا السيئات ) * الكفار ، وحاصل الكلام : أنه تعالى يحشر العابد والمعبود ، ثم إن المعبود يتبرأ من العابد ، ويتبين له أنه ما فعل ذلك بعلمه وإرادته ، والمقصود منه أن القوم كانوا يقولون : * ( هؤلاء شفعاؤنا عند الله ) * ( يونس : 180 ) فبين الله تعالى أنهم لا يشفعون لهؤلاء الكفار ، بل يتبرؤن منهم ، وذلك يدل على نهاية الخزي والنكال في حق هؤلاء الكفار ، ونظيره آيات منها قوله تعالى : * ( إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ) * ( البقرة : 166 ) ومنها قوله تعالى : * ( ثم يقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون * قالوا سبحانك أنت ولينا من دونهم بل كانوا يعبدون الجن ) * ( سبأ : 40 ، 41 ) .
واعلم أن هذا الكلام يشير على سبيل الرمز إلى دقيقة عقلية ، وهي أن ما سوى الواحد الأحد الحق ممكن لذاته ، والممكن لذاته محتاج بحسب ماهيته ، والشيء الواحد يمتنع أن يكون قابلاً وفاعلاً معاً ، فما سوى الواحد لأحد الحق لا تأثير له في الإيجاد والتكوين ، فالممكن المحدث لا يليق به أن يكون معبوداً لغيره ، بل المعبود الحق ليس إلا الموجد الحق ، وذلك ليس إلا الموجود الحق الذي هو واجب الوجود لذاته ، فبراءة المعبود من العابدين ، يحتمل أن يكون المراد منه ما ذكرناه . والله أعلم بمراده .
المسألة الثانية : * ( الحشر ) * الجمع من كل جانب إلى موقف واحد و * ( جميعاً ) * نصب على الحال أي نحشر الكل حال اجتماعهم . و * ( مكانكم ) * منصوب بإضمار الزموا . والتقدير : الزموا مكانكم و * ( أنتم ) * تأكيد للضمير * ( وشركاؤكم ) * عطف عليه . واعلم أن قوله : * ( مكانكم ) * كلمة مختصة بالتهديد والوعيد والمراد أنه تعالى يقول للعابدين والمعبودين مكانكم أي الزموا مكانكم حتى تسألوا ، ونظيره قوله تعالى : * ( احشروا الذين ظلموا وأزواجهم وما كانوا يعبدون * من دون الله فاهدوهم إلى صراط الجحيم * وقفوهم إنهم مسؤولون ) * ( الصافات : 22 - 24 ) .
أما قوله : * ( فزيلنا بينهم ) * ففيه بحثان :
تفسير الرازي — صفحة 82
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص٨٢