إلا بالمثل ، والفرق هو أن الزيادة على الثواب تكون تفضلاً وذلك حسن ، ويكون فيه تأكيد للترغيب في الطاعة ، وأما الزيادة على قدر الاستحقاق في عمل السيئات ، فهو ظلم ، ولو فعله لبطل الوعد والوعيد والترهيب والتحذير ، لأن الثقة بذلك إنما تحصل إذا ثبتت حكمته ، ولو فعل الظلم لبطلت حكمته . تعالى الله عن ذلك ، هكذا قرره القاضي تفريعاً على مذهبه . وثانيها : قوله : * ( وترهقهم ذلة ) * وذلك كناية عن الهوان والتحقير ، واعلم أن الكمال محبوب لذاته ، والنقصان مكروه لذاته ، فالإنسان الناقص إذا مات بقيت روحه ناقصة خالية عن الكمالات ، فيكون شعوره بكونه ناقصاً ، سبباً لحصول الذلة والمهانة والخزي والنكال . وثالثها : قوله : * ( ما لهم من الله من عاصم ) * واعلم أنه لا عاصم من الله لا في الدنيا ولا في الآخرة ، فإن قضاءه محيط بجميع الكائنات ، وقدره نافذ في كل المحدثات إلا أن الغالب على الطباع العاصية ، أنهم في الحياة العاجلة مشتغلون بأعمالهم ومراداتهم . أما بعد الموت فكل أحد يقر بأنه ليس له من الله من عاصم . ورابعها : قوله : * ( كأنما أغشيت وجوههم قطعاً من الليل مظلماً ) * والمراد من هذا الكلام إثبات ما نفاه عن السعداء حيث قال : * ( ولا يرهق وجوههم قتر ولا ذلة ) * ( يونس : 26 ) .
واعلم أن حكماء الإسلام قالوا : المراد من هذا السواد المذكور ههنا سواد الجهل وظلمة الضلالة ، فإن العلم طبعه طبع النور ، والجهل طبعه طبع الظلمة ، فقوله : * ( وجوه يومئذ مسفرة ضاحكة مستبشرة ) * المراد منه نور العلم ، وروحه وبشره وبشارته ، وقوله : * ( ووجوه يومئذ عليها غبرة ترهقها قترة ) * المراد منه ظلمة الجهل وكدورة الضلالة .
المسألة الثانية : قوله : * ( والذين كسبوا السيئات ) * فيه وجهان : أحدهما : أن يكون معطوفاً على قوله : * ( للذين أحسنوا ) * ( آل عمران : 172 ) كأنه قيل : للذين أحسنوا الحسنى وللذين كسبوا السيئات جزاء سيئة بمثلها والثاني : أن يكون التقدير وجزاء الذين كسبوا السيئات جزاء سيئة بمثلها . على معنى أن جزاءهم أن يجازي سيئة واحدة بسيئة مثلها لا يزاد عليها ، وهذا يدل على أن حكم الله في حق المحسنين ليس إلا بالفضل ، وفي حق المسيئين ليس إلا بالعدل .
المسألة الثالثة : قال بعضهم : المراد بقوله : * ( والذين كسبوا السيئات ) * الكفار واحتجوا عليه بأن سواد الوجه من علامات الكفر ، بدليل قوله تعالى : * ( فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم ) * ( آل عمران : 106 ) وكذلك قوله : * ( وجوه يومئذ عليها غبرة * ترهقها قترة * أولئك هم الكفرة الفجرة ) * ولأنه تعالى قال بعد هذه الآية * ( ويوم نحشرهم جميعاً ) * ( الأنعام : 22 ) والضمير في قوله : * ( هم ) * عائد إلى هؤلاء ، ثم إنه تعالى وصفهم بالشرك ، وذلك يدل على أن هؤلاء هم الكفار ، ولأن العلم نور وسلطان العلوم والمعارف
تفسير الرازي — صفحة 80
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص٨٠