تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 77

مساهمون:

ص٧٧
الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ) * . اعلم أنه تعالى لما دعا عباده إلى دار السلام ، ذكر السعادات التي تحصل لهم فيها فقال : * ( للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ) * فيحتاج إلى تفسير هذه الألفاظ الثلاثة . أما اللفظ الأول : وهو قوله : * ( للذين أحسنوا ) * فقال ابن عباس : معناه : للذين ذكروا كلمة لا إله إلا الله . وقال الأصم : معناه : للذين أحسنوا في كل ما تعبدوا به ، ومعناه : أنهم أتوا بالمأمور به كما ينبغي ، واجتنبوا المنهيات من الوجه الذي صارت منهياً عنها . والقول الثاني : أقرب إلى الصواب لأن الدرجات العالية لا تحصل إلا لأهل الطاعات . وأما اللفظ الثاني : وهو * ( الحسنى ) * فقال ابن الأنباري : الحسنى في اللغة تأنيث الأحسن ، والعرب توقع هذه اللفظة على الحالة المحبوبة والخصلة المرغوب فيها ، ولذلك لم تؤكد ، ولم تنعت بشيء ، وقال صاحب " الكشاف " : المراد : المثوبة الحسنى . ونظير هذه الآية قوله : * ( هل جزاء الإحسان إلا الإحسان ) * ( الرحمن : 60 ) . وأما اللفظ الثالث : وهو الزيادة . فنقول : هذه الكلمة مبهمة ، ولأجل هذا اختلف الناس في تفسيرها ، وحاصل كلامهم يرجع إلى قولين : القول الأول : أن المراد من منها رؤية الله سبحانه وتعالى . قالوا : والدليل عليه النقل والعقل . أما النقل : فالحديث الصحيح الوارد فيه ، وهو أن الحسنى هي الجنة ، والزيادة هي النظر إلى الله سبحانه وتعالى . وأما العقل : فهو أن الحسنى لفظة مفردة دخل عليها حرف التعريف ، فانصرف إلى المعهود السابق ، وهو دار للسلام . والمعروف من المسلمين والمتقرر بين أهل الإسلام من هذه اللفظة هو الجنة ، وما فيها من المنافع والتعظيم . وإذا ثبت هذا ، وجب أن يكون المراد من الزيادة أمراً مغايراً لكل ما في الجنة من المنافع والتعظيم ، وإلا لزم التكرار . وكل من قال بذلك قال : إنما هي رؤية الله تعالى . فدل ذلك على أن المراد من هذه الزيادة : الرؤية . ومما يؤكد هذا وجهان : الأول : أنه تعالى قال : * ( وجوه يومئذ ناضرة * إلى ربها ناظرة ) * ( القيامة : 22 ، 23 ) فأثبت لأهل الجنة أمرين : أحدهما : نضرة الوجوه والثاني : النظر إلى الله تعالى ، وآيات القرآن يفسر بعضها بعضاً فوجب حمل الحسنى ههنا على نضرة الوجوه ، وحمل الزيادة على رؤية الله تعالى . الثاني : أنه تعالى قال لرسوله صلى الله عليه وسلم : * ( وإذا رأيت ثم رأيت نعيماً وملكاً كبيراً ) * ( الإنسان : 20 ) أثبت له النعيم ، ورأيت الملك الكبير ، فوجب ههنا حمل الحسنى والزيادة على هذين الأمرين .