تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 71

مساهمون:

ص٧١
أن يقال : لا حاجة إلا الاضمار ، لان قوله ( دعوا الله ) يصير مفسرا بقوته ( لئن أنجتينا من هذه لنكونن من الشاكرين ) فهم في الحقيقة ما قالوا إلا هذا القول . واعلم أنه تعالى لما حكى عنهم هذا التضرع الكامل بين أنهم بعد الخلاص من تلك البلية والمحنة أقدموا في الحال على البغي في الأرض بغير الحق . قال ابن عباس : يريد به الفساد والتكذيب والجراءة على الله تعالى ، ومعنى البغي قصد الاستعلاء . بالظلم . قال الزجاج : البغي الترقي في الفساد قالا الأصمعي : يقال بغى الجرح يبغي بغيا إذا ترقى إلى الفساد ، وبغت المرأة إذا فجرت . قال الواحدي : أصل هذا اللفظ من الطلب . فان قيل : فما معنى قوله ( بغير الحق ) والبغي لا يكون بحق ؟ قلنا : البغي قد يكون بالحق . وهو استيلاء المسلمين على أرض الكفرة وهدم دورهم وإحراق زروعهم وقطع أشجارهم ، كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ببني قريظة ، ثم إنه تعالى بين أن هذا البغي أمر باطل يجب على العاقل أن يحترز منه فقال ( يا أيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم متاع الحياة الدنيا ) وفيه مسائل : ( المسألة الأولى ) قرأ الأكثرون ( متاع ) برفع العين ، وقرأ حفص عن عاصم ( متاع ) بنصب العين ، أما الرفع ففيه وجهان : الأول : أن يكون قوله ( بغيكم على أنفسكم ) مبتدأ ، وقوله ( متاع أنفسكم ) ومعنى الكلام أن بغى بعضكم على بعض منفعة الحياة الدنيا ولا بقاء لها . والثاني : أن قوله ( بغيكم مبتدأ ، وقوله ( على أنفسكم ) خبره ، وقوله ( متاع الحياة الدنيا ) خبر مبتدأ محذوف ، والتقدير : هو متاع الحياة الدنيا . وأما القراءة بالنصب فوجهها أن نقول : إن قوله ( بغيكم ) مبتدأ ، وقوله ( على أنفسكم ) خبره ، وقوله ( متاع الحياة الدنيا ) في موضع المصدر المؤكد ، والتقدير : تتمتعون متاع الحياة الدنيا . ( المسألة الثانية ) البغي من منكرات المعاصي . قال عليه الصلاة والسلام أسرع الخير ثوابا صلة الرحم وأعجل الشر عقابا البغي واليمين الفاجرة وروى ثنتان يعجلهما الله في الدنيا البغي وعقوق الوالدين وعن ابن عباس رضي الله عنهما : لو بغى جبل على جبل لاندك الباغي ، وكان المأمون يتمثل بهذين البيتين في أخيه : يا صاحب البغي إن البغي مصرعة . . . فأربع فخير فعال المرء أعدله فلو بغى جبل يوما على جبل . . . لاندك منه أعاليه وأسفله