جعفر : هل وجدت في قلبك تضرعاً ودعاء . فقال نعم . فقال جعفر : فإلهك هو الذي تضرعت إليه في ذلك الوقت .
المسألة الثالثة : قرأ ابن عامر * ( ينشركم ) * من النشر الذي هو خلاف الطي كأنه أخذه من قوله تعالى : * ( فانتشروا في الأرض ) * ( الجمعة : 10 ) والباقون قرؤا * ( يسيركم ) * من التسيير . المسألة الرابعة : احتج أصحابنا بهذه الآية على أن فعل العبد يجب أن يكون خلقاً لله تعالى . قالوا : دلت هذه الآية على أن سير العباد من الله تعالى ، ودل قوله تعالى : * ( قل سيروا في الأرض ) * ( الأنعام : 11 ) على أن سيرهم منهم ، وهذا يدل على أن سيرهم منهم ومن الله ، فيكون كسبياً لهم وخلقاً لله ونظيره . قوله تعالى : * ( كما أخرجك ربك من بيتك بالحق ) * ( الأنفال : 5 ) وقال في آية أخرى : * ( إذ أخرجه الذين كفروا ) * ( التوبة : 40 ) وقال في آية أخرى : * ( فليضحكوا قليلاً وليبكوا كثيراً ) * ( التوبة : 82 ) ثم قال في آية أخرى * ( وأنه هو أضحك وأبكى ) * ( النجم : 43 ) وقال في آية أخرى * ( وما رميت إذا رميت ولكن الله رمى ) * ( الأنفال : 7 ) قال الجبائي : أما كونه تعالى مسيراً لهم في البحر على الحقيقة فالأمر كذلك . وأما سيرهم في البر فإنما أضيف إلى الله تعالى على التوسع . فما كان منه طاعة فبأمره وتسهيله ، وما كان منه معصية فلأنه تعالى هو الذي أقدره عليه . وزاد القاضي فيه يجوز أن يضاف ذلك إليه تعالى من حيث أنه تعالى سخر لهم المركب في البر ، وسخر لهم الأرض التي يتصرفون عليها بإمساكه لها ، لأنه تعالى لو لم يفعل ذلك لتعذر عليهم السير . وقال القفال : * ( هو الذي يسيركم في البر والبحر ) * أي هو الله الهادي لكم إلى السير في البر والبحر طلباً للمعاش لكم ، وهو المسير لكم ، لأجل أنه هيأ لكم أسباب ذلك السير . هذا جملة ما قيل في الجواب عنه . ونحن نقول : لا شك أن المسير في البحر هو الله تعالى ، لأن الله تعالى هو المحدث لتلك الحركات في أجزاء السفينة ، ولا شك أن إضافة الفعل إلى الفاعل هو الحقيقة . فنقول : وجب أيضاً أن يكون مسيراً لهم في البر بهذا التفسير ، إذ لو كان مسيراً لهم في البر بمعنى إعطاء الآلات والأدوات لكان مجازاً بهذا الوجه ، فيلزم كون اللفظ الواحد حقيقة ومجازاً دفعة واحدة ، وذلك باطل .
واعلم أن مذهب الجبائي أنه لامتناع في كون اللفظ حقيقة ومجازاً بالنسبة إلى المعنى الواحد . وأما أبو هاشم فإنه يقول : إن ذلك ممتنع ، إلا أنه يقول : لا يبعد أن يقال إنه تعالى تكلم به مرتين .
واعلم أن قول الجبائي : قد أبطلناه في أصول الفقه ، وقول أبي هاشم أنه تعالى تكلم به مرتين أيضاً بعيد . لأن هذا قول لم يقل به أحد من الأمة ممن كانوا قبله ، فكان هذا على خلاف الإجماع فيكون باطلاً .
واعلم أنه بقي في هذه الآية سؤالات :
تفسير الرازي — صفحة 68
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص٦٨