والسلام ما حكم إلا بالنص . فوجب أن يجب على جميع الأمة أن لا يحكموا إلا بمقتضى النص لقوله تعالى : * ( واتبعوه ) * .
الفرع الثالث : نقل عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال : إن ذلك منسوخ بقوله : * ( ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ) * ( الفتح : 2 ) وهذا بعيد لأن النسخ إنما يدخل في الأحكام والتعبدات لا في ترتيب العقاب على المعصية .
الفرع الرابع : قالت المعتزلة : إن قوله : * ( إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم ) * مشروط بما يكون واقعاً بلا توبة ولا طاعة أعظم منها ، ونحن نقول فيه تخصيص ثالث . وهو أن لا يعفو عنه ابتداء ، لأن عندنا يجوز من الله تعالى أن يعفو عن أصحاب الكبائر .
قوله تعالى
* ( قُل لَّوْ شَآءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلاَ أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِّن قَبْلِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ ) * .
وفيه مسائل :
المسألة الأولى : اعلم أنا بينا فيما سلف ، أن القوم إنما التمسوا منه ذلك الالتماس ، لأجل أنهم اتهموه بأنه هو الذي يأتي بهذا الكتاب من عند نفسه ، على سبيل الاختلاق والافتعال ، لا على سبيل كونه وحياً من عند الله . فلهذا المعنى احتج النبي عليه الصلاة والسلام على فساد هذا الوهم بما ذكره الله تعالى في هذه الآية . وتقريره أن أولئك الكفار كانوا قد شاهدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم من أول عمره إلى ذلك الوقت ، وكانوا عالمين بأحواله وأنه ما طالع كتاباً ولا تلمذ لأستاذ ولا تعلم من أحد ، ثم بعد انقراض أربعين سنة على هذا الوجه جاءهم بهذا الكتاب العظيم المشتمل على نفائس علم الأصول ، ودقائق علم الأحكام ، ولطائف علم الأخلاق ، وأسرار قصص الأولين . وعجز عن معارضته العلماء والفصحاء والبلغاء ، وكل من له عقل سليم فإنه يعرف أن مثل هذا لا يحصل إلا بالوحي والإلهام من الله تعالى ، فقوله : * ( لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم به ) * حكم منه عليه الصلاة والسلام بأن هذا القرآن وحي من عند الله تعالى ، لا من اختلاقي ولا من افتعالي . وقوله : * ( فقد لبثت فيكم عمراً من قبله ) * إشارة إلى الدليل الذي قررناه ، وقوله : * ( أفلا تعقلون ) * يعني أن مثل
تفسير الرازي — صفحة 57
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص٥٧