تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 55

مساهمون:

ص٥٥
المسألة الأولى : اعلم أن هذا الكلام هو النوع الثالث من شبهاتهم وكلماتهم التي ذكروها في الطعن في نبوة النبي صلى الله عليه وسلم ، حكاها الله تعالى في كتابه وأجاب عنها . واعلم أن من وقف على هذا الترتيب الذي نذكره ، علم أن القرآن مرتب على أحسن الوجوه . المسألة الثانية : روي عن ابن عباس رضي الله عنهما : أن خمسة من الكفار كانوا يستهزئون بالرسول عليه الصلاة والسلام وبالقرآن . الوليد بن المغيرة المخزومي ، والعاص بن وائل السهمي ، والأسود بن المطلب ، والأسود بن عبد يغوث ، والحرث بن حنظلة ، فقتل الله كل رجل منهم بطريق آخر ، كما قال : * ( إنا كفيناك المستهزئين ) * ( الحجر : 95 ) فذكر الله تعالى أنهم كلما تلي عليهم آيات : * ( قال الذين لا يرجون لقاءنا ائت بقرآن غير هذا أو بدله ) * وفيه بحثان : البحث الأول : أن وصفهم بأنهم لا يرجون لقاء الله أريد به كونهم مكذبين بالحشر والنشر ، منكرين للبعث والقيامة ، ثم في تقرير حسن هذه الاستعارة وجوه : الأول : قال الأصم : * ( لا يرجون لقاءنا ) * أي لا يرجون في لقائنا خيراً على طاعة ، فهم من السيئات أبعد أن يخافوها . الثاني : قال القاضي : الرجاء لا يستعمل إلا في المنافع ، لكنه قد يدل على المضار من بعض الوجوه ، لأن من لا يرجو لقاء ما وعد ربه من الثواب ، وهو القصد بالتكليف ، لا يخاف أيضاً ما يوعده به من العقاب ، فصار ذلك كناية عن جحدهم للبعث والنشور . واعلم أن كلام القاضي قريب من كلام الأصم ، إلا أن البيان التام أن يقال : كل من كان مؤمناً بالبعث والنشور فإنه لا بد وأن يكون راجياً ثواب الله وخائفاً من عقابه ، وعدم اللازم يدل على عدم الملزوم ، فلزم من نفي الرجاء نفي الإيمان بالبعث . فهذا هو الوجه في حسن هذه الاستعارة . البحث الثاني : أنهم طلبوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم أحد أمرين على البدل : فالأول : أن يأتيهم بقرآن غير هذا القرآن . والثاني : أن يبدل هذا القرآن وفيه إشكال ، لأنه إذا بدل هذا القرآن بغيره ، فقد أتى بقرآن غير هذا القرآن ، وإذا كان كذلك كان كل واحد منهما شيئاً واحداً . وأيضاً مما يدل على أن كل واحد منهما هو عين الآخر أنه عليه الصلاة والسلام اقتصر في الجواب على نفي أحدهما ، وهو قوله : * ( ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي ) * وإذا ثبت أن كل واحد من هذين الأمرين هو نفس الآخر ، كان إلقاء اللفظ على الترديد والتخيير فيه باطلاً . والجواب : أن أحد الأمرين غير الآخر ، فالإتيان بكتاب آخر ، لا على ترتيب هذا القرآن ولا على نظمه ، يكون إتياناً بقرآن آخر ، وأما إذا أتى بهذا القرآن إلا أنه وضع مكان ذم بعض الأشياء مدحها ، ومكان آية رحمة آية عذاب ، كان هذا تبديلاً ، أو نقول : الإتيان بقرآن غير هذا هو أن