تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 60

مساهمون:

ص٦٠
بعبادة هذه الأصنام ، وأنها تكون شفعاء لنا عند الله تعالى . ثم اختلفوا في أنهم كيف قالوا في الأصنام إنها شفعاؤنا عند الله ؟ وذكروا فيه أقوالاً كثيرة : فأحدها : أنهم اعتقدوا أن المتولي لكل أقليم من أقاليم العالم ، روح معين من أرواح عالم الأفلاك ، فعينوا لذلك الروح صنماً معيناً واشتغلوا بعبادة ذلك الصنم ، ومقصودهم عبادة ذلك الروح ، ثم اعتقدوا أن ذلك الروح يكون عبداً للإله الأعظم ومشتغلاً بعبوديته . وثانيها : أنهم كانوا يعبدون الكواكب وزعموا أن الكواكب هي التي لها أهلية عبودية الله تعالى ، ثم لما رأوا أن الكواكب تطلع وتغرب وضعوا لها أصناماً معينة واشتغلوا بعبادتها ، ومقصودهم توجيه العبادة إلى الكواكب . وثالثها : أنهم وضعوا طلسمات معينة على تلك الأصنام والأوثان ، ثم تقربوا إليها كما يفعله أصحاب الطلسمات . ورابعها : أنهم وضعوا هذه الأصنام والأوثان على صور أنبيائهم وأكابرهم ، وزعموا أنهم متى اشتغلوا بعبادة هذه التماثيل ، فإن أولئك الأكابر تكون شفعاء لهم عند الله تعالى ، ونظيره في هذا الزمان اشتغال كثير من الخلق بتعظيم قبور الأكابر ، على اعتقاد أنهم إذا عظموا قبورهم فإنهم يكونون شفعاء لهم عند الله . وخامسها : أنهم اعتقدوا أن الإله نور عظيم ، وأن الملائكة أنوار فوضعوا على صورة الإله الأكبر الصنم الأكبر ، وعلى صورة الملائكة صوراً أخرى . وسادسها : لعل القوم حلولية ، وجوزوا حلول الإله في بعض الأجسام العالية الشريفة . واعلم أن كل هذه الوجوه باطلة بالدليل الذي ذكره الله تعالى وهو قوله : * ( ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ) * وتقريره ما ذكرناه من الوجوه الثلاثة . قوله تعالى : * ( قل أتنبئون الله بما لا يعلم في السماوات ولا في الأرض سبحانه وتعالى عما يشركون ) * . اعلم أن المفسرين قرروا وجهاً واحداً ، وهو أن المراد من نفي علم الله تعالى بذلك تقرير نفيه في نفسه ، وبيان أن لا وجود له البتة ، وذلك لأنه لو كان موجوداً لكان معلوماً لله تعالى ، وحيث لم يكن معلوماً لله تعالى وجب أن لا يكون موجوداً ، ومثل هذا الكلام مشهور في العرف ، فإن الإنسان إذا أراد نفي شيء عن نفسه يقول : ما علم الله هذا مني ، ومقصوده أنه ما حصل ذلك قط ، وقرئ * ( أتنبئون ) * بالتخفيف أما قوله : * ( سبحانه وتعالى عما يشركون ) * فالمقصود تنزيه الله تعالى نفسه عن ذلك الشرك ، قرأ حمزة والكسائي * ( تشركون ) * بالتاء ، ومثله في أول النحل في موضعين ، وفي الروم كلها بالتاء على الخطاب ، قال صاحب " الكشاف " " ما " موصولة أو مصدرية أي عن الشركاء الذين يشركونهم به أو عن إشراكهم ، قال الواحدي : من قرأ بالتاء فلقوله : * ( أتنبئون الله ) * ومن قرأ بالياء
تفسير الرازي — صفحة 60 | فخر الدين الرازي