تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 172

مساهمون:

ص١٧٢
واعلم أنه تعالى لما ذكر الدلائل على أقصى الغايات وأبلغ النهايات ، أمر رسوله بإظهار دينه وبإظهار المباينة عن المشركين ، لكي تزول الشكوك والشبهات في أمره وتخرج عبادة الله من طريقة السر إلى الإظهار فقال : * ( قل يا أيها الناس إن كنتم في شك من ديني ) * واعلم أن ظاهر هذه الآية يدل على أن هؤلاء الكفار ما كانوا يعرفون دين رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وفي الخبر إنهم كانوا يقولون فيه قد صبأ وهو صابئ فأمر الله تعالى أن يبين لهم أنه على دين إبراهيم حنيفاً مسلماً لقوله تعالى : * ( إن إبراهيم كان أمة قانتاً لله حنيفاً ) * ( النحل : 120 ) ولقوله : * ( وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفاً ) * ( الأنعام : 79 ) ولقوله : * ( لا أعبد ما تعبدون ) * ( الكافرون : 2 ) والمعنى : أنكم إن كنتم لا تعرفون ديني فأنا أبينه لكم على سبيل التفصيل ثم ذكر فيه أموراً . فالقيد الأول : قوله : * ( فلا أعبد الذين تعبدون من دون الله ) * وإنما وجب تقديم هذا النفي لما ذكرنا أن إزالة النقوش الفاسدة عن اللوح لا بد وأن تكون مقدمة على إثبات النقوش الصحيحة في ذلك اللوح ، وإنما وجب هذا النفي لأن العبادة غاية التعظيم وهي لا تليق إلا بمن حصلت له غاية الجلال والإكرام ، وأما الأوثان فإنها أحجار والإنسان أشرف حالاً منها ، وكيف يليق بالأشرف أن يشتغل بعبادة الأخس . القيد الثاني : قوله : * ( ولكن أعبد الله الذي يتوفاكم ) * والمقصود أنه لما بين أنه يجب ترك عبادة غير الله ، بين أنه يجب الاشتغال بعبادة الله . فإن قيل : ما الحكمة في ذكر المعبود الحق في هذا المقام بهذه الصفة وهي قوله : * ( الذي يتوفاكم ) * . قلنا فيه وجوه الأول : يحتمل أن يكون المراد أني أعبد الله الذي خلقكم أولاً ثم يتوفاكم ثانياً ثم يعيدكم ثالثاً ، وهذه المراتب الثلاثة قد قررناها في القرآن مراراً وأطواراً فههنا اكتفى بذكر التوفي منها لكونه منبهاً على البواقي . الثاني : أن الموت أشد الأشياء مهابة ، فنخص هذا الوصف بالذكر في هذا المقام ، ليكون أقوى في الزجر والردع . الثالث : أنهم لما استعجلوا نزول العذاب قال تعالى : * ( فهل ينتظرون إلا مثل أيام الذين خلوا من قبلهم قل فانتظروا إني معكم من المنتظرين * ثم ننجي رسلنا والذين آمنوا ) * ( يونس : 102 ، 103 ) فهذه الآية تدل على أنه تعالى يهلك أولئك الكفار ويبقي المؤمنين ويقوي دولتهم فلما كان قريب العهد بذكر هذا الكلام لا جرم قال ههنا : * ( ولكن أعبد الله الذي يتوفاكم ) * وهو إشارة إلى ما قرره وبينه في تلك الآية كأنه يقول : أعبد ذلك الذي وعدني بإهلاكهم وبإبقائي . والقيد الثالث : من الأمور المذكورة في هذه الآية قوله : * ( وأمرت أن أكون من المؤمنين ) *
تفسير الرازي — صفحة 172 | فخر الدين الرازي