إلى تكوينه ، وإنما يريد ضده ، وإنما قصد إلى تحصيل ضده ، فلو كان به لما حصل إلا ما قصده وأوردنا السؤالات على هذه الحجة وأجبنا عنها فيما سلف من هذا الكتاب . وأما حمل الرجس على العذاب ، فهو باطل ، لأن الرجس عبارة عن الفاسد المستقذر المستكره ، فحمل هذا اللفظ على جهلهم وكفرهم أولى من حمله على عذاب الله مع كونه حقاً صدقاً صواباً ، وأما حمل لفظ الرجس على حكم الله برجاستهم ، فهو في غاية البعد ، لأن حكم الله تعالى بذلك صفته ، فكيف يجوز أن يقال إن صفة الله رجس ، فثبت أن الحجة التي ذكرناها ظاهرة .
قوله تعالى
* ( قُلِ انظُرُواْ مَاذَا فِى السَّمَاوَاتِ واَلاَْرْضِ وَمَا تُغْنِى الآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَن قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ ) * .
في الآية مسائل :
المسألة الأولى : قرأ عاصم وحمزة * ( قل انظروا ) * بكسر اللام لالتقاء الساكنين والأصل فيه الكسر ، والباقون بضمها نقلوا حركة الهمزة إلى اللام .
المسألة الثانية : اعلم أنه تعالى لما بين في الآيات السالفة أن الإيمان لا يحصل إلا بتخليق الله تعالى ومشيئته ، أمر بالنظر والاستدلال في الدلائل حتى لا يتوهم أن الحق هو الجبر المحض . فقال : * ( قل انظروا ماذا في السماوات والأرض ) * .
واعلم أن هذا يدل على مطلوبين : الأول : أنه لا سبيل إلى معرفة الله تعالى إلا بالتدبر في الدلائل كما قال عليه الصلاة والسلام : " تفكروا في الخلق ولا تتفكروا في الخلق " والثاني : وهو أن الدلائل إما أن تكون من عالم السماوات أو من عالم الأرض ، أما الدلائل السماوية ، فهي حركات الأفلاك ومقاديرها وأوضاعها وما فيها من الشمس والقمر والكواكب ، وما يختص به كل واحد منها من المنافع والفوائد ، وأما الدلائل الأرضية ، فهي النظر في أحوال العناصر العلوية ، وفي أحوال المعادن وأحوال النبات وأحوال الإنسان خاصة ، ثم ينقسم كل واحد من هذه الأجناس إلى أنواع لا نهاية لها . ولو أن الإنسان أخذ يتفكر في كيفية حكمة الله سبحانه في تخليق جناح بعوضة لانقطع عقله قبل أن يصل إلى أقل مرتبة من مراتب تلك الحكم والفوائد . ولا شك أن الله سبحانه أكثر من ذكر هذه الدلائل في القرآن المجيد ، فلهذا السبب ذكر قوله : * ( قل انظروا ماذا في السماوات
تفسير الرازي — صفحة 169
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص١٦٩