تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 173

مساهمون:

ص١٧٣
واعلم أنه لما ذكر العبادة وهي من جنس أعمال الجوارح انتقل منها إلى الإيمان والمعرفة ، وهذا يدل على أنه ما لم يصر الظاهر مزيناً بالأعمال الصالحة ، فإنه لا يحصل في القلب نور الإيمان والمعرفة . والقيد الرابع : قوله : * ( وأن أقم وجهك للدين حنيفاً ) * وفيه مسائل : المسألة الأولى : الواو في قوله : * ( وأن أقم وجهك ) * حرف عطف وفي المعطوف عليه وجهان : الأول : أن قوله : * ( وأمرت أن أكون ) * قائم مقام قوله وقيل لي كن من المؤمنين ثم عطف عليه * ( وأن أقم وجهك ) * الثاني : أن قوله : * ( وأن أقم وجهك ) * قائم مقام قوله : * ( وأمرت ) * بإقامة الوجه ، فصار التقدير وأمرت بأن أكون من المؤمنين وبإقامة الوجه للدين حنيفاً . المسألة الثانية : إقامة الوجه كناية عن توجيه العقل بالكلية إلى طلب الدين ، لأن من يريد أن ينظر إلى شيء نظراً بالاستقصاء ، فإنه يقيم وجهه في مقابلته بحيث لا يصرفه عنه لا بالقليل ولا بالكثير ، لأنه لو صرفه عنه ، ولو بالقليل فقد بطلت تلك المقابلة ، وإذا بطلت تلك المقابلة ، فقد اختل الأبصار ، فلهذا السبب حسن جعل إقامة الوجه للدين كناية عن صرف العقل بالكلية إلى طلب الدين ، وقوله : * ( حنيفاً ) * أي مائلاً إليه ميلاً كلياً معرضاً عما سواه إعراضاً كلياً ، وحاصل هذا الكلام هو الإخلاص التام ، وترك الالتفات إلى غيره ، فقوله أولاً : * ( وأمرت أن أكون من المؤمنين ) * إشارة إلى تحصيل أصل الإيمان ، وقوله : * ( وأن أقم وجهك للدين حنيفاً ) * إشارة إلى الاستغراق في نور الإيمان والإعراض بالكلية عما سواه . والقيد الخامس : قوله : * ( ولا تكونن من المشركين ) * . واعلم أنه لا يمكن أن يكون هذا نهياً عن عبادة الأوثان ، لأن ذلك صار مذكوراً بقوله تعالى في هذه الآية : * ( فلا أعبد الذين تعبدون من دون الله ) * فوجب حمل هذا الكلام على فائدة زائدة وهو أن من عرف مولاه ، فلو التفت بعد ذلك إلى غيره كان ذلك شركاً ، وهذا هو الذي تسميه أصحاب القلوب بالشرك الخفي . والقيد السادس : قوله تعالى : * ( ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك ) * والممكن لذاته معدوم بالنظر إلى ذاته وموجود بإيجاد الحق ، وإذا كان كذلك فما سوى الحق فلا وجود له إلا إيجاد الحق ، وعلى هذا التقدير فلا نافع إلا الحق ولا ضار إلا الحق ، فكل شيء هالك إلا وجهه وإذا كان كذلك ، فلا حكم إلا لله ولا رجوع في الدارين إلا إلى الله . ثم قال في آخر الآية : * ( فإن فعلت فإنك إذاً من الظالمين ) * يعني لو اشتغلت بطلب المنفعة والمضرة من غير الله فأنت من الظالمين ، لأن الظلم عبارة عن وضع الشيء في غير موضعه ، فإذا كان ما سوى