تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 167

مساهمون:

ص١٦٧
أن يقال إنه تعالى خلق فيه قدرة مستلزمة للكفر فوجب أن يقال إنه أراد منه الكفر وأما إن كانت القدرة صالحة للضدين كما هو مذهب القوم ، فرجحان أحد الطرفين على الآخر إن لم يتوقف على المرجح فقد حصل الرجحان لا لمرجح وهذا باطل ، وإن توقف على مرجح فذلك المرجح إما أن يكون من العبد أو من الله فإن كان من العبد عاد التقسيم فيه ولزم التسلسل وهو محال ، وإن كان من الله تعالى فحينئذ يكون مجموع تلك القدرة مع تلك الداعية موجباً لذلك الكفر فإذا كان خالق القدرة والداعية هو الله تعالى فحينئذ عاد الإلزام . الثاني : أن قوله : * ( ولو شاء ربك ) * لا يجوز حمله على مشيئة الإلجاء ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم ما كان يطلب أن يحصل لهم إيمان لا يفيدهم في الآخرة ، فبين تعالى أنه لا قدرة للرسول على تحصيل هذا الإيمان ، ثم قال : * ( ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعاً ) * فوجب أن يكون المراد من الإيمان المذكور في هذه الآية هو هذا الإيمان النافع حتى يكون الكلام منتظماً ، فأما حمل اللفظ على مشيئة القهر والإلجاء فإنه لا يليق بهذا الموضع . الثالث : المراد بهذا الإلجاء ، إما أن يكون هو أن يظهر له آيات هائلة يعظم خوفه عند رؤيتها ، ثم يأتي بالإيمان عندها . وإما أن يكون المراد خلق الإيمان فيهم . والأول باطل ، لأنه تعالى بين فيما قبل هذه الآية أن إنزال هذه الآيات لا يفيد وهو قوله : * ( إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون * ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم ) * ( يونس : 96 ، 97 ) وقال أيضاً : * ( ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلاً ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله ) * ( الأنعام : 111 ) وإن كان المراد هو الثاني لم يكن هذا الإلجاء إلى الإيمان ، بل كان ذلك عبارة عن خلق الإيمان فيهم ، ثم يقال لكنه ما خلق الإيمان فيهم ، فدل على أنه ما أراد حصول الإيمان لهم وهذا عين مذهبنا . واعلم أنه تعالى لما ذكر هذا الكلام قال : * ( أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين ) * والمعنى أنه لا قدرة لك على التصرف في أحد ، والمقصود منه بيان أن القدرة القاهرة والمشيئة النافذة ليست إلا للحق سبحانه وتعالى . المسألة الثانية : احتج أصحابنا على صحة قولهم أنه لا حكم للأشياء قبل ورود الشرع بقوله : * ( وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله ) * قالوا وجه الاستدلال به أن الإذن عبارة عن الإطلاق في الفعل ورفع الحرج وصريح هذه الآية يدل على أنه قبل حصول هذا المعنى ليس له أن يقدم على هذا الإيمان ، ثم قالوا : والذي يدل عليه من جهة العقل وجوه : الأول : أن معرفة الله تعالى والاشتغال بشكره والثناء عليه لا يدل العقل على حصول نفع فيه ، فوجب أن لا يجب ذلك بحسب العقل ، بيان الأول أن ذلك النفع إما أن يكون عائداً إلى المشكور أو إلى الشاكر والأول باطل لأن