الحجة الخامسة : ولد الحيوان إنما يكون ولداً له بشرطين : إذا كان مساوياً له في الطبيعة والحقيقة ، ويكون ابتداء وجوده وتكونه منه ، وهذا في حق الله تعالى محال ، لأنه تعالى غني مطلقاً ، وكل من كان غنياً مطلقاً كان واجب الوجود لذاته ، فلو كان لواجب الوجود ولد ، لكان ولده مساوياً له . فيلزم أن يكون ولد واجب الوجود أيضاً واجب الوجود ، لكن كونه واجب الوجود يمنع من تولده من غيره ، وإذا لم يكن متولداً من غيره لم يكن ولداً ، فثبت أن كونه تعالى غنياً من أقوى الدلائل على أنه تعالى لا ولد له ، وهذه الثلاثة مع الثلاثة الأول في غاية القوة .
الحجة السادسة : أنه تعالى غني ، وكل من كان غنياً امتنع أن يكون له أب وأم ، وكل من تقدس عن الوالدين وجب أن يكون مقدساً عن الأولاد .
فإن قيل : يشكل هذا بالوالد الأول ؟
قلنا : الوالد الأول لا يمتنع كونه ولداً لغيره ، لأنه سبحانه وتعالى قادر على أن يخلق الوالد الأول من أبوين يقدمانه أما الحق سبحانه فإنه يمتنع افتقاره إلى الأبوين ، وإلا لما كان غنياً مطلقاً .
الحجة السابعة : إنه تعالى غني مطلقاً ، وكل من كان غنياً مطلقاً امتنع أن يفتقر في إحداث الأشياء إلى غيره .
إذا ثبت هذا فنقول : هذا الولد ، إما أن يكون قديماً أو حادثاً ، فإن كان قديماً فهو واجب الوجود لذاته ، إذ لو كان ممكن الوجود لافتقر إلى المؤثر ، وافتقار القديم إلى المؤثر يقتضي إيجاد الموجود وهو محال ، وإذا كان واجب الوجود لذاته لم يكن ولداً لغيره ، بل كان موجوداً مستقلاً بنفسه ، وأما إن كان هذا الولد حادثاً والحق سبحانه غني مطلقاً فكان قادراً على إحداثه ابتداء من غير تشريك شيء آخر ، فكان هذا عبداً مطلقاً ، ولم يكن ولداً ، فهذه جملة الوجوه المستنبطة من قوله : * ( هو الغني ) * الدالة على أنه يمتنع أن يكون له ولد .
أما قوله : * ( له ما في السماوات وما في الأرض ) * فاعلم أنه نظير قوله : * ( إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبداً ) * ( مريم : 93 ) وحاصله يرجع إلى أن ما سوى الواحد الأحد الحق ممكن ، وكل ممكن محتاج ، وكل محتاج محدث ، فكل ما سوى الواحد الأحد الحق محدث ، والله تعالى محدثه وخالقه وموجده وذلك يدل على فساد القول بإثبات الصاحبة والولد ، ولما بين تعالى بالدليل الواضح امتناع ما أضافوا إليه ، عطف عليهم بالإنكار والتوبيخ فقال : * ( إن عندكم من سلطان بهذا ) * منبهاً بهذا على أنه لا حجة عندهم في ذلك البتة . ثم بالغ في ذلك الإنكار فقال : * ( أتقولون على الله ما لا تعلمون ) * وقد
تفسير الرازي — صفحة 133
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص١٣٣