تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 131

مساهمون:

ص١٣١
هؤلاء إذا كانوا له وفي ملكه فالجمادات أولى بهذه العبودية فيكون ذلك قدحاً في جعل الأصنام شركاء لله تعالى . ثم قال تعالى : * ( وما يتبع الذين يدعون من دون الله شركاء إن يتبعون إلا الظن ) * وفي كلمة * ( ما ) * قولان : الأول : أنه نفي وجحد ، والمعنى أنهم ما اتبعوا شريك الله تعالى إنما اتبعوا شيئاً ظنوه شريكاً لله تعالى . ومثاله أن أحدنا لو ظن أن زيداً في الدار وما كان فيها ، فخاطب إنساناً في الدار ظنه زيداً فإنه لا يقال : إنه خاطب زيداً بل يقال خاطب من ظنه زيداً . الثاني : أن * ( ما ) * استفهام ، كأنه قيل : أي شيء يتبع الذين يدعون من دون الله شركاء ، والمقصود تقبيح فعلهم يعني أنهم ليسوا على شيء . ثم قال تعالى : * ( إن يتبعون إلا الظن ) * والمعنى أنهم إنما اتبعوا ظنونهم الباطلة وأوهامهم الفاسدة ، ثم بين أن هذا الظن لا حكم له * ( وإن هم إلا يخرصون ) * وذكرنا معنى الخرص في سورة الأنعام عند قوله : * ( إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون ) * ( الأنعام : 16 ) . قوله تعالى * ( هُوَ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الَّيْلَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِراً إِنَّ فِى ذالِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ ) * . اعلم أنه تعالى لما ذكر قوله : * ( إن العزة لله جميعاً ) * احتج عليه بهذه الآية ، والمعنى أنه تعالى جعل الليل ليزول التعب والكلال بالسكون فيه ، وجعل النهار مبصراً أي مضيئاً لتهتدوا به في حوائجكم بالأبصار ، والمبصر الذي يبصر ، والنهار يبصر فيه ، وإنما جعله مبصراً على طريق نقل الاسم من السبب إلى المسبب . فإن قيل : إن قوله : * ( هو الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه ) * يدل على أنه تعالى ما خلقه إلا لهذا الوجه ، وقوله : * ( إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون ) * يدل على أنه تعالى أراد بتخليق الليل والنهار أنواعاً كثيرة من الدلائل . قلنا : إن قوله تعالى : * ( لتسكنوا ) * لا يدل على أنه لا حكمة فيه إلا ذلك ، بل ذلك يقتضي حصول تلك الحكمة .