تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 135

مساهمون:

ص١٣٥
وَلاَ تُنظِرُونَ * فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِىَ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ) * . اعلم أنه سبحانه لما بالغ في تقرير الدلائل والبينات ، وفي الجواب عن الشبه والسؤالات ، شرع بعد ذلك في بيان قصص الأنبياء عليهم السلام لوجوه : أحدها : أن الكلام إذا أطال في تقرير نوع من أنواع العلوم ، فربما حصل نوع من أنواع الملالة فإذا انتقل الإنسان من ذلك الفن من العلم إلى فن آخر ، انشرح صدره وطاب قلبه ووجد في نفسه رغبة جديدة وقوة حادثة وميلاً قوياً . وثانيها : ليكون للرسول عليه الصلاة والسلام ولأصحابه أسوة بمن سلف من الأنبياء ، فإن الرسول إذا سمع أن معاملة هؤلاء الكفار مع الكل الرسل ما كانت إلا على هذا الوجه خف ذلك على قلبه ، كما يقال : المصيبة إذا عمت خفت . وثالثها : أن الكفار إذا سمعوا هذه القصص ، وعلموا أن الجهال ، وإن بالغوا في إيذاء الأنبياء المتقدمين إلا أن الله تعالى أعانهم بالآخرة ونصرهم وأيدهم وقهر أعداءهم ، كان سماع هؤلاء الكفار لأمثال هذه القصص سبباً لانكسار قلوبهم ، ووقوع الخوف والوجل في صدورهم ، وحينئذ يقللون من أنواع الإيذاء والسفاهة . ورابعها : أنا قد دللنا على أن محمداً عليه الصلاة والسلام لما لم يتعلم علماً ، ولم يطالع كتاباً ثم ذكر هذه الأقاصيص من غير تفاوت ، ومن غير زيادة ومن غير نقصان ، دل ذلك على أنه صلى الله عليه وسلم إنما عرفها بالوحي والتنزيل . واعلم أنه تعالى ذكر في هذه السورة من قصص الأنبياء عليهم السلام ثلاثة . فالقصة الأولى : قصة نوح عليه السلام ، وهي المذكورة في هذه الآية ، وفيها وجهان من الفائدة : الأول : أن قوم نوح عليهم السلام لما أصروا على الكفر والجحد عجل الله هلاكهم بالغرق فذكر الله تعالى قصتهم لتصير تلك القصة عبرة لهؤلاء الكفار ، وداعية إلى مفارقة الجحد بالتوحيد والنبوة . والثاني : أن كفار مكة كانوا يستعجلون العذاب الذي يذكره الرسول عليه
تفسير الرازي — صفحة 135 | فخر الدين الرازي