السلام لهم وكانوا يقولون له كذبت ، فإنه ما جاءنا هذا العذاب ، فالله تعالى ذكر لهم قصة نوح عليه السلام لأنه عليه السلام كان يخوفهم بهذا العذاب وكانوا يكذبونه فيه ، ثم بالآخرة وقع كما أخبر فكذا ههنا .
المسألة الثانية : أن نوحاً عليه السلام قال لقومه : * ( إن كان كبر عليكم مقامي وتذكيري بآيات الله فعلى الله توكلت ) * وهذا جملة من الشرط والجزاء ، أما الشرط فهو مركب من قيدين :
القيد الأول : قوله : * ( إن كان كبر عليكم مقامي ) * قال الواحدي في " البسيط " : يقال كبر يكبر كبراً في السن ، وكبر الأمر والشيء إذا عظم يكبر كبراً وكبارة . قال ابن عباس : ثقل عليكم وشق عليكم وعظم أمره عندكم والمقام بفتح الميم مصدر كالإقامة . يقال : أقام بين أظهرهم مقاماً وإقامة ، والمقام بضم الميم الموضع الذي يقام فيه ، وأراد بالمقام ههنا مكثه ولبثه فيهم وبالجملة فقوله : * ( كبر عليكم مقامي ) * جار مجرى قولهم : فلان ثقيل الظل .
واعلم أن سبب هذا الثقل أمران : أحدهما : أنه عليه السلام مكث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاماً . والثاني : أن أولئك الكفار كانوا قد ألفوا تلك المذاهب الفاسدة والطرائق الباطلة والغالب أن من ألف طريقة في الدين فإنه يثقل عليه أن يدعى إلى خلافها ، ويذكر له ركاكتها ، فإن اقترن بذلك طول مدة الدعاء كان أثقل وأشد كراهية ، فإن اقترن به إيراد الدلائل القاهرة على فساد تلك المذهب كانت النفرة أشد فهذا هو السبب في حصول ذلك الثقل .
والقيد الثاني : هو قوله : * ( وتذكيري بآيات الله ) * . واعلم أن الطباع المشغوفة بالدنيا الحريصة على طلب اللذات العاجلة تكون شديدة النفرة عن الأمر بالطاعات والنهي عن المعاصي والمنكرات ، قوية الكراهة لسماع ذكر الموت وتقبيح صورة الدنيا ومن كان كذلك فإنه يستثقل الإنسان الذي يأمره بالمعروف وينهاه عن المنكر وفي الآية وجه آخر وهو أن يكون قوله : * ( إن كان كبر عليكم مقامي وتذكيري بآيات الله ) * معناه أنهم كانوا إذا وعظوا الجماعة قاموا على أرجلهم يعظونهم ليكون مكانهم ظاهراً وكلامهم مسموعاً ، كما يحكى عن عيسى عليه السلام أنه كان يعظ الحواريين قائماً وهم قعود .
واعلم أن هذا هو الشرط المذكور في هذه الآية ، أما الجزاء ففيه قولان :
القول الأول : أن الجزاء هو قوله : * ( فعلى الله توكلت ) * يعني أن شدة بغضكم لي تحملكم على الإقدام على إيذائي وأنا لا أقابل ذلك الشر إلا بالتوكل على الله .
تفسير الرازي — صفحة 136
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص١٣٦