تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 129

مساهمون:

ص١٢٩
قال تعالى : * ( لا تبديل لكلمات الله ) * والمراد أنه لا خلف فيها ، والكلمة والقول سواء . ونظيره قوله : * ( ما يبدل القول لدي ) * ( ق : 29 ) وهذا أحد ما يقوي أن المراد بالبشرى وعد الله بالثواب والكرامة لمن أطاعه بقوله : * ( يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان ) * ثم بين تعالى أن : * ( ذلك هو الفوز العظيم ) * وهو كقوله تعالى : * ( وإذا رأيت ثم رأيت نعيماً وملكاً كبيراً ) * ( الإنسان : 20 ) ثم قال القاضي : قوله : * ( لا تبديل لكلمات الله ) * يدل على أنها قابلة للتبديل ، وكل ما قبل العدم امتنع أن يكون قديماً . ونظير هذا الاستدلال بحصول النسخ على أن حكم الله تعالى لا يكون قديماً وقد سبق الكلام على أمثال هذه الوجوه . قوله تعالى * ( وَلاَ يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ للَّهِ جَمِيعاً هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * أَلا إِنَّ اللَّهِ مَن فِى السَّمَاوَات وَمَنْ فِى الاَْرْضِ وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ شُرَكَآءَ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ ) * . اعلم أن القوم لما أوردوا أنواع الشبهات التي حكاها الله تعالى عنهم فيما تقدم من هذه السورة وأجاب الله عنها بالأجوبة التي فسرناها وقررناها ، عدلوا إلى طريق آخر ، وهو أنهم هددوه وخوفوه وزعموا أنا أصحاب التبع والمال ، فنسعى في قهرك وفي إبطال أمرك ، والله سبحانه أجاب عن هذا الطريق بقوله : * ( ولا يحزنك قولهم إن العزة لله جميعاً ) * . واعلم أن الإنسان إنما يحزن من وعيد الغير وتهديده ومكره وكيده ، لو جوز كونه مؤثراً في حاله ، فإذا علم من جهة علام الغيوب أن ذلك لا يؤثر ، خرج من أن يكون سبباً لحزنه . ثم إنه تعالى كما أزال عن الرسول حزن الآخرة بسبب قوله : * ( ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ) * ( يونس : 62 ) فكذلك أزال حزن الدنيا بقوله : * ( ولا يحزنك قولهم إن العزة لله جميعاً ) * فإذا كان الله تعالى هو الذي أرسله إلى الخلق وهو الذي أمره بدعوتهم إلى هذا الدين كان لا محالة ناصراً له ومعيناً ، ولما ثبت أن العزة والقهر والغلبة ليست إلا له ، فقد حصل الأمن وزال الخوف .
تفسير الرازي — صفحة 129 | فخر الدين الرازي