والروح بذكر الله ، ومن كان كذلك فهو عند النوم لا يبقى في روحه إلا معرفة الله ، ومن المعلوم أن معرفة الله ونور جلال الله لا يفيده إلا الحق والصدق ، وأما من يكون متوزع الفكر على أحوال هذا العالم الكدر المظلم ، فإنه إذا نام يبقى كذلك ، فلا جرم لا اعتماد على رؤياه ، فلهذا السبب قال : * ( لهم البشرى في الحياة الدنيا ) * على سبيل الحصر والتخصيص .
القول الثاني : في تفسير البشرى ، أنها عبارة عن محبة الناس له وعن ذكرهم إياه بالثناء الحسن عن أبي ذر . قال ؟ قلت : يا رسول الله إن الرجل يعمل العمل لله ويحبه الناس . فقال : " تلك عاجل بشرى المؤمن " .
واعلم أن المباحث العقلية تقوي هذا المعنى ، وذلك أن الكمال محبوب لذاته لا لغيره ، وكل من اتصف بصفة من صفات الكمال ، صار محبوباً لكل أحد ، ولا كمال للعبد أعلى وأشرف من كونه مستغرق القلب بمعرفة الله ، مستغرق اللسان بذكر الله ، مستغرق الجوارح والأعضاء بعبودية الله ، فإذا ظهر عليه أمر من هذا الباب ، صارت الألسنة جارية بمدحه ، والقلوب مجبولة على حبه ، وكلما كانت هذه الصفات الشريفة أكثر ، كانت هذه المحبة أقوى ، وأيضاً فنور معرفة الله مخدوم بالذات ، ففي أي قلب حضر صار ذلك الإنسان مخدوماً بالطبع ألا ترى أن البهائم والسباع قد تكون أقوى من الإنسان ، ثم إنها إذا شاهدت الإنسان هابته وفرت منه وما ذاك إلا لمهابة النفس الناطقة .
والقول الثالث : في تفسير البشرى أنها عبارة عن حصول البشرى لهم عند الموت قال تعالى : * ( تتنزل عليهم الملائكة أن لا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة ) * ( فصلت : 30 ) وأما البشرى في الآخرة فسلام الملائكة عليهم كما قال تعالى : * ( والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم ) * ( الرعد : 23 ) وسلام الله عليهم كما قال : * ( سلام قولاً من رب رحيم ) * ( يس : 58 ) ويندرج في هذا الباب ما ذكره الله في هذا الكتاب الكريم من بياض وجوههم وإعطاء الصحائف بأيمانهم وما يلقون فيها من الأحوال السارة فكل ذلك من المبشرات .
والقول الرابع : إن ذلك عبارة عما بشر الله عباده المتقين في كتابه وعلى ألسنة أنبيائه من جنته وكريم ثوابه . ودليله قوله : * ( يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان ) * ( التوبة : 21 ) .
واعلم أن لفظ البشارة مشتق من خبر سار يظهر أثره في بشرة الوجه ، فكل ما كان كذلك دخل في هذه الآية ، ومجموع الأمور المذكورة مشتركة في هذه الصفة ، فيكون الكل داخلاً فيه فكل ما يتعلق من هذه الوجوه بالدنيا فهو داخل تحت قوله : * ( لهم البشرى في الحياة الدنيا ) * وكل ما يتعلق بالآخرة فهو داخل تحت قوله : * ( وفي الآخرة ) * ثم إنه تعالى لما ذكر صفة أولياء الله وشرح أحوالهم
تفسير الرازي — صفحة 128
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص١٢٨