تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 79

مساهمون:

ص٧٩
علامة على نفاقهم ، وإذا ظهر نفاقهم احترز المسلمون منهم ولم يغتروا بقولهم ، فلما أذن الرسول في القعود بقي نفاقهم مخفياً وفاتت تلك المصالح . والثالث : أنهم لما استأذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم غضب عليهم وقال : * ( اقعدوا مع القاعدين ) * على سبيل الزجر كما حكاه الله في آخر هذه الآية وهو قوله : * ( وقيل اقعدوا مع القاعدين ) * ثم إنهم اغتنموا هذه اللفظة وقالوا : قد أذن لنا فقال تعالى : * ( لم أذنت لهم ) * أي لم ذكرت عندهم هذا اللفظ الذي أمكنهم أن يتوسلوا به إلى تحصيل غرضهم ؟ الرابع : أن الذين يقولون الاجتهاد غير جائز على الأنبياء عليهم السلام قالوا : إنه إنما أذن بمقتضى الاجتهاد ، وذلك غير جائز ، لأنهم لما تمكنوا من الوحي وكان الإقدام على الاجتهاد مع التمكن من الوحي جارياً مجرى الإقدام على الاجتهاد مع حصول النص ، فكما أن هذا غير جائز فكذا ذاك . المسألة الثانية : قالت المعتزلة البصرية : الآية دالة على أنه تعالى كما هو موصوف بصفة المريدية هو موصوف بصفة الكارهية ، بدليل قوله تعالى : * ( ولكن كره الله انبعاثهم ) * قال أصحابنا : معنى * ( كره الله ) * أراد عدم ذلك الشيء . قال البصرية : العدم لا يصلح أن يكون متعلقاً ، وذلك لأن الإرادة عبارة عن صفة تقتضي ترجيح أحد طرفي الممكن على الآخر ، والعدم نفي محض ، وأيضاً فالعدم المستمر لا تعلق للإرادة بالعدم به ، لأن تحصيل الحاصل محال ، وجعل العدم عدماً محال ، فثبت أن تعلق الإرادة بالعدم محال ، فامتنع القول بأن المراد من الكراهة إرادة العدم . أجاب أصحابنا : بأنا نفسر الكراهة في حق الله بإرادة ضد ذلك الشيء ، فهو تعالى أراد منهم السكون ، فوقع التعبير عن هذه الإرادة بكونه تعالى كارهاً لخروجهم مع الرسول . المسألة الثالثة : احتج أصحابنا في مسألة القضاء والقدر بقوله تعالى : * ( فثبطهم ) * أي فكسلهم وضعف رغبتهم في الانبعاث ، وحاصل الكلام فيه لا يتم إلا إذا صرحنا بالحق ، وهو أن صدور الفعل يتوقف على حصول الداعي إليه ، فإذا صارت الداعية فاترة مرجوحة امتنع صدور الفعل عنه ، ثم إن صيرورة تلك الداعية جازمة أو فاترة ، إن كانت من العبد لزم التسلسل ، وإن كانت من الله ؛ فحينئذ لزم المقصود . لأن تقوية الداعية ليست إلا من الله ، ومتى حصلت تلك التقوية لزم حصول الفعل ، وحينئذ يصح قولنا في مسألة القضاء والقدر . ثم إنه تعالى ختم الآية بقوله : * ( وقيل اقعدوا مع القاعدين ) * وفيه مسألتان : المسألة الأولى : المقصود منه التنبيه على ذمهم وإلحاقهم بالنساء والصبيان والعاجزين الذين شأنهم القعود في البيوت ، وهم القاعدون والخالفون والخوالف على ما ذكره في قوله : * ( رضوا بأن يكونوا مع الخوالف ) * .
تفسير الرازي — صفحة 79 | فخر الدين الرازي